باسم سمرة.. من أين لك هذا الجنون؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
باسم سمرة.. من أين لك هذا الجنون؟, اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026 08:42 مساءً

مساحة من الإبداع يسيطر عليها النجم باسم سمرة في مسلسل "عين سحرية"، أداء ناضج حد الإبهار، يذكرني بعلامات هوليوود الخالدة، مثل Iago في مسرحية Othello. لا يصرخ ولا يهدد. لكن يحرك الخيوط بهدوء. أو Petyr Baelish في Game of Thrones — شعاره العملي: "الفوضى سلم"، لم يكن الأقوى، لكنه قادر على فهم النفس البشرية.

 

وبكل سلاسة ويسر، يتنقل خلال الخط الدرامي للشخصية، من محترف في إخفاء الأدلة من مسارح الجريمة، في أول ظهور له في الحلقة الأولى، إلى شخص يستجدي الحب خوفا من الموت وحيدًا، وهو في قمة ضعفه الإنساني أمام أبنته الطبيبة النفسية.

 

في عين سحرية لا تبدأ شخصية "عم زكي" كحالة نفسية معقّدة، بل كظل شرير، الشرير الـLow profile، يتحرك بهدوء، يدير الصراع من وراء ستار، ويترك الآخرين يتقدمون إلى الواجهة.

 

أتقن "باسم سمرة" في الانطباع الأول من الحلقة الأولى، تقديم شرير ذو عقل بارد يحرك الخيوط دون انفعال، نموذجًا للاعب الذي يراهن على الصبر لا على الصدام، حضوره محسوب، كلماته مقتضبة، وملامحه شبه محايدة، لنجدنا أمام شخصية تُعرِّف نفسها عبر السيطرة، لا عبر الضجيج.

 

لكن مع تقدم الخط الدرامي، يبدأ القناع في التصدّع. يتكشف أن هذا البرود ليس طبيعة أصلية، بل طبقة دفاعية تراكمت فوق جرح قديم: فقدان ابنته بعد سجنه في قضية يؤكد براءته منها في مشهد أيقوني مع عصام عمر "المهندس عادل" يستجدي فيه تصديق برائته، وكأنه أسقط شخصية الأبنه على التابع المتمرد الجديد.

 

هنا تنتقل الشخصية من خانة "الشرير الذي يدير اللعبة" إلى مساحة أكثر تعقيدًا: رجل صاغته الخسارة، وأعاد تشكيل نفسه حول فكرة استعادة السيطرة. ما بدا في البداية دهاءً صرفًا، يتحول إلى آلية بقاء، وما بدا تلاعبًا باردًا، ينكشف كخوف عميق من خسارة جديدة.

 

تتعمق الصورة أكثر عبر خطين متوازيين: محاولته الاقتراب من ابنته تحت ستار المريض النفسي، وإسقاطه الأبوي على عادل الذي يجسده عصام عمر. في الأول، يسعى إلى إعادة كتابة صورته داخل وعي ابنته قبل أن يعلن هويته؛ وفي الثاني، يعيد تمثيل الأبوة في علاقة بديلة أقل تهديدًا. هكذا لا يعود "عم زكي" مجرد لاعب ظل، بل يصبح شخصية ممزقة بين حاجة صادقة إلى الحب، ونزعة راسخة إلى التحكم.

 

هذا التحول التدريجي من سطح براغماتي إلى عمق نفسي مركّب لم يكن ليصل بهذه الدرجة من الإقناع لولا أداء الفنان باسم سمرة. سمرة لم يؤدِّ الشر بوصفه انفعالًا وتجعيرًا، بل بوصفه اقتصادًا في التعبير.

 

اعتمد على صمت طويل، ونظرات محملة بما لا يُقال، وإيقاع داخلي بطيء يمنح المشاهد فرصة لاكتشاف التناقض بدل تلقيه جاهزًا. قوته لم تكن في الجمل الحوارية، بل في المسافات بين الجمل.

 

نجح في أن يجعل الشخصية تتحرك دراميًا دون قفزات حادة. الانتقال من "محرّك خفي" إلى "أب مكسور" جاء سلسًا، لأن الأداء لم يغيّر القشرة فجأة، بل كشف الطبقات تدريجيًا. حتى في لحظات الضعف، ظل أثر العقل الاستراتيجي حاضرًا في العين ونبرة الصوت، وكأن الجرح لا يلغي الحذر.

 

وفي مشهد يلخص تعقيدات الحالة الوجدانية، وأسوء المخاوف، وتملك المقربين، يقول عم زكي للدكتورة بسمه أبنته "كأن حته جوايا فاضية، حته فاضية بتدور على حد يملاها، بس الغريبة إن كل مرة بتتكرر الحكاية، أول ما أقرب من حد، بيبعد ويسبني، كأن طريقتي بتخنقهم، مش فاهمين أن ده اهتمام وحب، عارفه يا دكتورة، أنا حاسس أن أنا هموت لوحدي، بردان في أوضه فاضية، محدش هيحس بيا".

 

بهذا التكوين، يصبح "عم زكي" مثالًا على كيفية تطور الشخصية دراميًا من نموذج نمطي إلى بنية إنسانية متعددة الأبعاد. شره ليس صاخبًا، وإنسانيته ليست بريئة بالكامل. وبين هذين الحدين، تتشكل واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للتأمل في العمل، بفضل كتابة واعية وأداء أدرك أن أعقد الانفعالات تُقال أحيانًا بالصمت.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق