قصة مرضى نفسيين الفصل الثاني 2 - بقلم بسمة هلوان

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ـ طب هنخرج من هنا ازاي دلوقتي؟

اتحولت ملامحه لمكر وهو بيخرّج ميدالية مفاتيح من جيبه وبيرفع لها حواجبه بتلاعب:

ـ لسة إيدي خفيفة زي عادتي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ إحنا كدا بقينا أحرار؟

بصت له وهم بيجروا بعيد عن المستشفى في الشوارع الضلمة، وهو رد عليها بابتسامة هادية:

ـ محسساني إنك بقى لك سنين في المستشفى.

ـ كل يوم كان بيعدي عليّ كإنه سنة، كل يوم كنت بحس فيه إني مش حُرة نَفسي كنت بتمنى إني أفجّـر المستشفى، خدونا بطريقة غير قانونية ومن غير أي فحوصات حتى، دا أنا هخربها فوق الكل.

قالتها بغضب وتهديد خفِي في نبرتها، و"سليمان" اللي كان متأثر بأول كلامها بص لها بذهول في آخر كلامها وهو مش مصدق ازاي شخصيتها بتتغير للدرجة دي.

ـ هنعمل ايه دلوقتي؟ أنت لو رُحت البيت هيمسكوك تاني، وأنا لو رجعت نفس الكلام، هنعمل ايه؟

لف راسه بعيد عنها وهو بيتحرك بيوقف تاكسي وهي ماشية وراه مترقبة كلامه، قال ببسمة واثقة:

ـ هنكتب كتابنا.

اتحركوا بالتاكسي لحد ما وصلوا لشقة معينة في عمارة في أكتوبر، الساعة كانت متأخرة و"رحمة" رغم جبروتها إلا إنها من جواها خايفة، مافيش ناس حواليها وهم بس لوحدهم فحست بقلبها هيقف، وهي بتفكر في مامتها.. اللي المفروض تكون أول مكان تلجأ له.. بقت بتهرب منها.

"سليمان" خبط على الشقة اللي وصلوا لها، سألته "رحمة" بهدوء:

ـ هنكتب الكتاب هنا ازاي؟ إحنا فين؟

ـ ثواني هتعرفي دلوقتي.

الباب اتفتح وظهر من وراه شاب تقريبا في حدود 30 سنة، لاقتهم بيسلموا على بعض بكل حُب وودّ وبعدها "سليمان" قال بابتسامة:

ـ أهو "محمد".. أجدع صاحب في مصر.

مالحقتش تتكلم غير ولقت صاحبه بيقول بضيق:

ـ أنا عارف الدخلة المهببة دي، عاوز ايه في نص الليل؟

وبكلّ عزم وعشَم "سليمان" بص له بيبتسم بسمة واسعة بخبث والتاني مسح عينيه بيأس لإنه عارف صاحبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.

"محمد" قالها بصفته ـ مأذون ـ بعد مرور 3 ساعات من اللف، و"رحمة" و"سليمان" رجعوا له بعد ما جابوا بطايقهم وأوراقهم بشقّ الأنفُس وهم شبه بيسرقوا من بيوتهم بعد ما دخلوا من غير علم أهلهم وهم خايفين لا يتكشفوا.

و"سليمان" رنّ على صحابه اللي ماخيبوش ظنه ووقفوا معاه بعد ما حكى لهم اللي حصل، وبقوا شهود على الجوازة.

بعدها "محمد" ابتسم وهو بيدّي "سليمان" مفتاح معين:

ـ آدي يا سيدي مفتاح الشقة، وآدي 5 آلاف جنيه ترجعهم لي بنُص أسهم الشركة بعد ما تاخد وِرثك.

صاحبه "عبد الرحمن" بص له بصدمة:

ـ نص أسهم الشركة؟؟

"سليمان" ابتسم بعشَم وفاكر صاحبه هيدافع عنه بس التاني قال بيكمل كلامه:

ـ الشركة هتتقسم بعدل الله علينا كلنا، أنا 90٪ وأنتم تاخدوا الـ10٪ ليكم علشان عارفكم فقراء بس.

ـ اه يا خاين، وأنا اللي فاكرك هتدافع عني!!

قالها وكان لسة هيدّيه على قفاه بضيق لولا إن التاني جِري منه ورا "محمد" اللي بيضحك شمتان فيه.

ـ يلا يا عريس روح على شقتك...

قالها له "محمد" بضحكة والتاني بص له بنص عين:

ـ أومال لو ماكنتش عارف إنه جواز على ورَق هتعمل ايه؟

"محمد" سكت وهو بيضحك وبيشاور له بعينيه على "رحمة" اللي واقفة بعيد عنهم وشكلها مش طايقة حَد ومش متأثرة حتى بالجواز.

"سليمان" استغرب ردّ فعلها، واتحرك بعد ما ودّع صُحابه وراح للشقة التانية في عمارة قُريبة، وأخدها معاه، وفي الطريق كان هو بيتحرك بسرعة وهي بتبص حواليها للضلمة وخايفة، وهو لما حس بكدا مسك إيديها..

بس ماتوقعش رد فعلها وهي بتقول له في نص الشارع بضيق:

ـ ماتمسكش إيدي تاني.

بص لها باستغراب وهو مش فاهم مالها وقال:

ـ أومال إحنا كتبنا الكتاب ليه، مش علشان مايبقاش فيه حاجة حرام بيننا؟

ـ أنت عارف إحنا عملنا ليه كدا كويس، علشان تعرف ترجّع فلوسك وأنا أمشي وبس، مش حاجة غير كدا.

كانت حاضنة نفسها بدراعاتها وشكلها ميتة من البرد، بس هو سكت وسمع كلامها واتحرك وهي وراه، لحد ما حسّت بصداع وهي بتمشي بالعافية.. الدنيا كانت مشوشة قدام عينيها كإنها لابسة نضّارة مغبّشة.. بس برضه ماطلبتش مساعدته.

وفجأة "سليمان" سمع صوت حاجة بتقع وراه، لف راسه بسرعة وبص في الأرض لقاها واقعة بتحاول تسند نفسها وماسكة راسها، قرّب بسرعة بيسندها وهو بيقول بقلق:

ـ مالك؟ حاسة بتعب؟ فيه حاجة؟

حاولت تبعد إيده عنها وبتحاول تقف بس وقعت تاني، فقال لها بحدة:

ـ ما تبس بقى مقاومة، أنتِ مش قادرة تصلبي طولك.. مش هاكلك يعني، قولي لي فيه ايه؟

سكتت وهي بتبص له بغضب لكلامه، وهو حاول يهدّي نفسه وعاد كلامه تاني:

ـ فيه ايه يا "رحمة"؟

بلعت ريقها وقالت له وهي حاسة قلبها مقبوض:

ـ ماكلتش حاجة بقى لي يومين.

بص لها بعدم تصديق، كانت بتحرم نفسها من الأكل أكيد علشان تخليهم يخرّجوها غصب عنهم، بس مانجحتش.

ـ قومي واتسنّدي عليّ، حاولي كدا.

قامت بهدوء وهي ماسكة فيه من قماش قميصه فحطّ إيديها على كتفه بقوة وقال بزهق:

ـ يا بنتي مش هاكلك والله امسكي كويس علشان ماتقعيش.

ضحكت بيأس وهي بترد عليه:

ـ حاسة فيه حاجة حرام في الموضوع، راعيني أنا آخر معلوماتي عن الرجالة بابا اللي مات من 7 سنين، ودلوقتي عاوزني أحضن راجل تاني من غير شعور؟

كانت بتتكلم بطريقة مختلفة أول مرة يسمعها بيها، ابتسم لها، يبقى هي دي نفسها الحقيقية اللي بتحاول تخفيها ورا قشرة الغضب الوهمية اللي بتبنيها.

ـ بتضحك ليه؟

قالتها وهي بتبص له بحدة رغم إنها تعبانة، فهو كتم ضحكته ومثّل الجمود وقال:

ـ فين الضحك دا؟ أنتِ بتهلوسي؟

سكتت وهي بتبعد عينيها عنه، اتحركت معاه لحد ما ركبوا الأسانسير ووصلوا للشقة المنشودة، فتح الباب بصعوبة وإيده التانية كانت "رحمة" ساندة عليها بكل تُقلها وهي حاسة نفسها هتغيب عن الوعي في أي لحظة.

دخلوا الشقة كانت نضيفة زي ما "محمد" صاحبه قال، إن لسة كان فيه ضيوف جايين لوالدته من سفر ولسة سايبين الشقة من كام يوم.

أول ما دخل للصالة الكبيرة قعَّد "رحمة" على الأنتريه الكبير اللي كان في نص الصالة، وهو بص حواليه للشقة وبيفكّر هيعمل ايه دلوقتي؟

قال لها بهدوء وهي كانت كل شوية بتغمض عينيها لمدة كبيرة بوهن وشكلها هتنام:

ـ هخرج لربع ساعة وهرجع بسرعة، خليكِ صاحية وخلِّ بالك على نفسك ماشي؟

حرّكت راسها ليه إنها سمعته فهو خرج بسرعة وقفل عليها الشقة لا يحصل لها حاجة، ونزل جري على أقرب سوبر ماركت يقابله.

بينما هي رقدت على الأنتريه وعيونها على السقف اللي كان بلون أبيض زي المستشفى، غمّضت عينيها بسرعة وهي بتحضن نفسها في وضعية الجنين، وبتهمس لنفسها بهدوء وضعف قبل ما تغيب في عالم الأحلام:

ـ كله هيبقى تمام، ثقي فيه، في آخر أمَل أنتِ تملكيه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق