ـ هخرج لربع ساعة وهرجع بسرعة، خليكِ صاحية وخلِّ بالك على نفسك ماشي؟
حرّكت راسها ليه إنها سمعته فهو خرج بسرعة وقفل عليها الشقة لا يحصل لها حاجة، ونزل جري على أقرب سوبر ماركت يقابله.
بينما هي رقدت على الأنتريه وعيونها على السقف اللي كان بلون أبيض زي المستشفى، غمّضت عينيها بسرعة وهي بتحضن نفسها في وضعية الجنين، وبتهمس لنفسها بهدوء وضعف قبل ما تغيب في عالم الأحلام:
ـ كله هيبقى تمام، ثقي فيه، في آخر أمَل أنتِ تملكيه.
بعد تلت ساعة كان "سليمان" بيهرول على الشقة وفي إيده شنط فيها أكل ودواء، فتح باب الشقة وهو بيتأكد هي في مكانها ولا لا، بس اتصدم من اللي شافه وساب الأكل في الأرض وجري عليها لما لقاها حاضنة نفسها وجسمها على الأرض بدل ما يكون على الأنتريه.
شالها بين إيديه وعدّلها يقعدها على الأنتريه وبيحاول يفوقها:
ـ "رحمة" فوقي، أنتِ نمتِ؟
لما لقاها ماردتش عليه وشكلها أُغمى عليها اتخضّ وهو بيفتح الشنطة بسرعة بيخرَّج منها عصير، حاول يشربها منه ويفوقها، وهي كانت تفتح عينيها وتغمضها تاني بتعب.
فتحت عينيها لمرّة أخيرا وهي بتشرب العصير وبعدين بعدت العصير عنها، سمعت "سليمان" بيقول لها بقلق:
ـ أنتِ كويسة؟
كان وشه قريب منها فملامحه ماكانتش كلها واضحة، كانت مبتسمة وهي بتقول له بضعف:
ـ بابا!
وبتحط إيدها على دقنه فالتاني اتصدم وهو بيحاول يبعدها، لحد ما فاقت وشافت ملامحه وعادت لعقلها تاني، رجعت وبعدت عنه وسندت لوحدها على ضهر الأنتريه، واستغربت وهي بتقول ومقوسة حاجبيها:
ـ هو فيه ايه؟
رد عليها بهدوء:
ـ كنتِ تعبانة ولسة تعبانة، جبت أكل جاهز وضروري تاكلي قبل ما تنامي، تعالي يلا اقعدي هنا عقبال ما أحط الحاجات على السفرة.
قامت من مكانها وهي بتسمع كلامه، قعدت على السفرة وهو بيحط قدامها الأكل، حط أكل كتير فبصت له بصدمة:
ـ أنت جبت كل دا؟ دا إحنا اتنين بس.
ـ كُلي بس مالكيش دعوة.
سكتت وبدأت تاكل رغم إن شهيتها مش مفتوحة، وهي حاسة إنه لولا تعبها كانت ممكن تكمل في الصيام العقابي لنفسها دا.
خلصت بهدوء وهو خلص، لمّ الأكل وهي ساعدته فقال لها وهو بيقعدها غصب عنها:
ـ ماتتحركيش من مكانك واثبتي هنا.
رفعت حاجبها ليه بغضب وهي استعادت قوتها:
ـ وأنت مالك؟ ما أقوم ولا أتحرك براحتي!
رفع حاجبه ليها باستنكار وقال:
ـ تصدقي بالله إني ماكنتش عاوز أتعبك فوق تعبك، بس يلا قومي نضفي أنتِ بقى وأنا هأقعد.
بعدت راسها عنه وهي بتبص للسقف بتمثل إنها ماسمعتش كلامه فهو ابتسم بيأس وكمِّل اللي بيعمله، وفجأة لاقاها اختفت في المطبخ وهي بتدوّر على حاجة فبص لها بعدم فهم وهو داخل وراها:
ـ بتدوري على ايه؟
لفت راسها ليه وهي حاطة إيديها في وسطها بعدم رضا:
ـ هو الشقة دي مافيهاش شاي خالص؟ ولا حتى السكر لاقياه.
ـ عيب عليكِ يبقى السكر قدام عينك ومش شايفاه!
كانت لسة هترد عليه وعلى ابتسامته الخبيثة دي بضربة في وشه بس لحق نفسه وهو بيجيب من رفّ في المطبخ وراها الشاي والسكر، أخدتهم منه وكان فيه ماجَّات أخدت اتنين واحد بُني والتاني أزرق، وعملت الشاي.
كان واقف جنبها بيتفرج على تليفونه اللي جابه من أوضته وهو بيجيب البطاقة بتاعته، وكان حاسس بالنعاس وإنه عاوز ينام بس لازم يبقى جنبها لحد ما تنام.. لأنه حسب اللي يعرفه عنها فهي بتخاف من خيالها بس بتمثل القوة على حساب خوفها.
خلصوا وقعدوا مع بعض يشربوا الشاي، وهو أخد المج الأزرق وطبعا هي استحوذت على البنِّي.
فتحت شاشة التليفزيون ووصلتها بالنت وقعدت تسمع مسلسل، "سليمان" بص لها لاقاها فايقة ولا كأنها كانت بتموت من ثواني، وهو هيموت وينام، بس آخرة ما زهق دخل جاب بطانيتين من جوة، غطى نفسه وعطاها واحدة، وبمجرد ما سند راسه على الكرسي اللي جنب الأنتريه وغمض عينيه راح في النوم.
وهي شافته نايم فبصت له باستغراب، ليه حاسة فجأة إنه بحنّية أب، وبسذاجة طفل، وباهتمام زوج؟ لا يفكرهم متجوزين بجد!!
الفكرة دي لو جات على باله في يوم هتموته!
وهي التانية جابت آخرها وماقدرتش تسهر أكتر من كدا، وعينيها نعست وسابت التليفزيون شغال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"سليمان" صحي الصبح وهو حاسس ضهره تقوَّس من النومة اللي نامها، فتح عينيه وبص حواليه، لاقاها نايمة على الأنتريه ومتغطية وأعصابها سايبة خالص، بقى الملامح الهادية دي.. هي نفسها الملامح اللي مكشرة في وشه 24 ساعة؟؟
ابتسم غصب عنه وهو بيرجع البطانية لمكانها، وماكانش عارف ياخد القرار دا ولا لا بس حسم أمرُه وهو بيشيلها وبيتمنى إنها ماتصحاش وتقفشه شايلها وإلا هتنكد عليه، دخلها الأوضة جوة وهو خرج منها وسابها لوحدها.
وهو دخل أوضة مختلفة، لسة فاكر كل تفصيلة في الشقة دي كويس، الشقة اللي كانت معظم طفولته فيها لما كان بيبات هنا مع "محمد" صاحبه، كان فيه أوضة للبنات والتانية ليهم هم، وقد ايه كان بيفرح بالتجمع دا هو وكل أصحابه وبيستغلوا إن الشقة فاضية.. كانت أحلى أيام حياته لما كانت مامته بتجيبه هنا.. بس.. الله يرحمها.
قال آخر جملة في سره وهو بيفتكر الجحيم اللي حصل بعدها، مرات أبوه اللي بدأت تقتـل أبوه بصمت وبتأذيه هو في مدرسته وتعليمه وتفكيره، لحد ما اتمرّد عليها ورفضها تماما فبدأت تدمر حياته بالبطيء.
رجع من تفكيره وهو بيخرج هدوم من الدولاب، كانت دوما احتياطية لأي ضيوف، وآدي فكرة والدة صاحبُه نفعت.. وحد احتاجها فعلا!
أخد هدومه وأخد شاور وبعد ما طلع شغل التليفزيون على قرآن ونشَر ريحة البخور في الشقة.. كإنه صباح يوم جُمعة، يوم عيدُه.. ماكانش بيعيش الأجواء دي في الڤيلا مع مرات أبوه أبدا.. بل دايمًا كانت ذكرياته كلها هنا.. مع أصحابه.
لفت سمعه صوت باب الأوضة وهو بيتفتح، لف راسه لـ"رحمة" اللي كانت بتفرك عينيها كأنها طفلة وهي بتبص له بنص عين، قال لها بابتسامة:
ـ صباح الخير.
ماردتش عليه وهي بتشاور له بإيديها بلا مبالاة ومشيت في طريقها للحمام، كان حاسس إنه متجوز بقى له 7 سنين ومراته بتعامله بالطريقة دي علشان بتنكد عليه عادي.. والتخيل دا خلاه يضحك على نفسه بدون وعي..
لحد ما فاق وهو بيقوم بيقول لها بعد ما خرجت وكانت غسلت وشها وفاقت:
ـ فيه هدوم عندك جوة في الأوضة، ابقي شوفيها.
حركت راسها ليه ومن غير ولا كلمة دخلت الأوضة فهو بص لها باستغراب:
ـ هي اخرسِّت ولا ايه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعة...
خرجت من الأوضة وهي لابسة لبسها الكامل كعادتها معاه ومغطية شعرها، لاقته محضر الفطار فقعدت من غير ولا كلمة وفطرت معاه، وهو قال لها بزهق بعد ما لاقاها مش بتتجاوب معاه في أي كلام:
ـ ما هو حاجة من اتنين، يا إما اطرشيتِ يا إما اتخرستِ! فيه ايه؟
ردت عليه بكل عدوانية وتهديد:
ـ بقول لك ايه أنا مش فايقة لك! أنا في أول ساعتين في الصبح كدا بحاول أستوعب أنا مين وأنت مين أصلا! فاخرس وعدّي أيامك.
رفع حاجبه ليها وهو رافض كلامها وكان لسة هيتكلم فقالت له وهي بتحذره وبترفع سكينة الفاكهة في وشه:
ـ وربي يا "سليمان" لو اتكلمت معايا نص كلمة أنت الحُر، اخرس شوية.
هي ليه جَامِدة كدا؟ ومالها متعكننة على الصبح ليه؟ ولا هي كدا كل صبح؟
بعد ما خلصت قامت هي بتفرغ غضبها في شيل الأطباق وغسيلها، وهو جنبها بيعمل هو الشاي المرة دي، وبعد ما قعدوا قعدة صافية لاقاها بتقول له بهدوء:
ـ ها بقى هتعمل ايه؟
ـ في ايه؟
قالها بغباء فحاولت تكبت غضبها وهي بتقول غضب عنها:
ـ في ليلتنا السودا، هترجع فلوسك ازاي؟ وهتطلقني امتى؟ علشان زهقانة من وشك مش متخيلة إني أشوف الوش دا كل ما أصحى.
قالتها وهي بتشاور لوشه بطريقة مريبة فرفع إيده لوشه القمحاوي بصدمة:
ـ وشي أنا؟ هو أنا وحش ولا ايه؟
قالت له باستفزار:
ـ أيوة، زيادة عن اللزوم بصراحة.
سكت وهو بيهدّي نفسه، دي واحدة مجنونة وكلها يومين وهتروح لحال سبيلها!
ـ أقل من شهر وهتخلصي من وشي حاضر.
قامت فجأة وبتخبط على الترابيزة بعنف وهي بتقول بذهول:
ـ شهر؟؟ هستحملك شهر؟؟؟
وهو كمل كلامه وبيبص لها بعد ما شرب كوباية الشاي:
ـ المهم بعد الشهر دا ماتقعيش في حُبي ولا حاجة علشان هايكون صعب تسيبيني وقتها.
وشها اتشنج وهي بترد عليه بسخرية وبتشاور له:
ـ بقى دا شكل واحد أنا أحبه؟ أنا لما أكون عاوزة أحب هاخد واحد مستورد غالي، مش بيتباع التلاتة بعشرة على الرصيف!
وبعدين سابته وراحت لمكان التليفزيون وهي بتحاول تسلي نفسها وأيامها، بينما هو كان بيبص لها بضيق وبيكرر كلامها بنبرة صوته الواطية علشان ماتسمعهوش:
ـ قال هاخد واحد ماعرفش ايه مستورد قال!
ـ سامعاك!!
0 تعليق