لم يكن ما جرى في اليمن خلال السنوات الأخيرة مجرّد صراع داخلي أو نتيجة طبيعية لانهيار الدولة بفعل الحرب، بل مسارًا سياسيًا مركّبًا شاركت في صناعته قوى إقليمية عبر أدوات تتجاوز الميدان العسكري إلى ساحات أكثر تأثيرًا وهدوءًا، عبر مراكز الأبحاث، جماعات الضغط، الخطاب الإعلامي، وقنوات التأثير غير المعلنة داخل العواصم الغربية.
في هذا السياق، برز دور دولة الإمارات بوصفه أحد أكثر الأدوار تنظيمًا في العمل على إعادة تعريف اليمن سياسيًا في الخارج، ليس عبر إعلان صريح لمشروع انفصال، بل من خلال نقل النقاش الدولي تدريجيًا من سؤال استعادة الدولة اليمنية إلى إدارة تفككها باعتباره خيارًا “واقعيًا”.
هذا التحول لم يحدث دفعة واحدة، ولم يُفرض بقرارات رسمية، بل تبلور عبر مسار تراكمي بدأ منذ 2017، حين تزامن النفوذ العسكري الإماراتي في جنوب اليمن مع جهد موازٍ لإنتاج سردية سياسية جديدة داخل الدوائر الغربية، وخصوصًا في واشنطن. سردية قدّمت الدولة اليمنية الموحدة بوصفها كيانًا متعثرًا غير قابل للإصلاح، وروّجت لفكرة التعامل مع “فاعلين محليين” وترتيبات أمر واقع باعتبارها أقل كلفة من الرهان على مشروع دولة جامعة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه اللغة من طرح تحليلي إلى إطار شبه مسلّم به في بعض دوائر التفكير وصنع القرار.
يتتبّع هذا المقال كيف جرى بناء هذه السردية، والمسارات التي استُخدمت لترويجها، من مراكز الأبحاث والفعاليات العامة إلى القنوات الخلفية والتمثيل غير الرسمي، وكيف انعكس ذلك على الخطاب الدولي تجاه اليمن. كما يتوقف عند لحظة الانكسار التي كشفت هشاشة هذا المسار مع تغيّر القرار الإقليمي، ويطرح السؤال الأهم: هل كان تفكيك الدولة اليمنية خيارًا دوليًا محسومًا، أم نتيجة سردية جرى تسويقها حتى بدت واقعية، قبل أن تتهاوى عند أول اختبار سياسي حاسم؟
لم تقتصر مقاربة دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن، منذ عام 2017، على النفوذ العسكري والأمني وبناء التشكيلات المسلحة الموالية لها، بل انتقلت بالتوازي إلى مسار خارجي أكثر عمقًا وتعقيدًا، هدفه إعادة تعريف اليمن سياسيًا في الخطاب الغربي، وتفكيك مركزية الدولة اليمنية داخل دوائر التفكير والتأثير الدولية، بما يهيئ لتقبّل تفكيكها بوصفه خيارًا “واقعيًا” لا تهديدًا للاستقرار. لم يكن هذا التحول استجابة ظرفية لتطورات الميدان، بل جزءًا من استراتيجية واعية سعت إلى نقل النقاش من سؤال استعادة الدولة ووحدتها إلى إدارة التفكك وتعدد مراكز السلطة، من دون إعلان صريح لمشروع انفصال يتحمّل كلفة قانونية وسياسية مباشرة.
في هذا السياق، لم تُطرح فكرة انفصال جنوب اليمن كمشروع قانوني معلن، لأن الإعلان الصريح يفرض أعباء الاعتراف الدولي ومسؤوليات السيادة، ويفتح باب مساءلة قانونية وسياسية قد تُنتج كيانًا يصعب التحكم به لاحقًا. عوضًا عن ذلك، جرى العمل على تفريغ الدولة اليمنية من موقعها كإطار جامع للحل، واستبدالها بلغة بديلة في النقاش الدولي تقوم على مفردات مثل “الفاعلين المحليين”، و“الترتيبات الواقعية”، و“إدارة تعدد مراكز السلطة”. هذه اللغة لا تُسقط الدولة رسميًا، لكنها تنزع عنها وظيفة الحل، وتحولها إلى أحد الخيارات المؤجلة أو غير العملية، وتُعيد تأطير التفكك بوصفه نتيجة طبيعية لفشل داخلي لا لمسار تدخلات إقليمية منظّمة.
يمكن تتبّع هذا المسار زمنيًا منذ عام 2017، حين بدأ تكثيف التعاقدات مع شركات لوبي واستشارات سياسية في واشنطن، وتوسيع قنوات الوصول غير العلني إلى الكونغرس ومراكز التفكير. في تلك المرحلة المبكرة، لم يكن التغيير ظاهرًا في المواقف الرسمية، لكنه بدأ يتسرّب إلى اللغة التحليلية في الإحاطات الخلفية، حيث ظهرت للمرة الأولى مفردات “الواقعية” و“الفاعلين المحليين” بوصفها بدائل عن خطاب استعادة الدولة. كان الهدف في هذه المرحلة التمهيد الذهني لا اتخاذ قرارات سياسية، أي نقل مركز الثقل من سؤال “ما الذي ينبغي فعله؟” إلى سؤال “ما الذي يمكن فعله واقعيًا؟”.
أحد أهم مسارات هذا الجهد كان المسار المعرفي، عبر مراكز الأبحاث الأميركية المؤثرة. فمنذ 2017، شهدت مؤسسات بحثية بارزة نشاطًا متزايدًا في تناول اليمن بوصفه حالة تفكك مزمنة، لا دولة يمكن استعادتها. في أوراق سياسات وجلسات إحاطة وندوات مفتوحة ومغلقة، جرى توصيف الأزمة اليمنية باعتبارها أزمة بنيوية تتطلب إدارة مخاطر لا مشروع إعادة بناء. تكررت في هذه الأدبيات صيغ تحليلية من قبيل أن الرهان على “الفاعلين المحليين القادرين على الضبط” قد يكون أكثر واقعية من محاولة إعادة بناء دولة مركزية ضعيفة. ومع تداول هذه الصيغة في أوراق صادرة عن مؤسسات بحثية مؤثرة، انتقلت تدريجيًا من كونها رأيًا تحليليًا إلى افتراض ضمني يُدار على أساسه النقاش داخل دوائر القرار، بحيث لم تعد الدولة اليمنية الموحدة تُطرح كحل، بل كإشكالية إضافية.
بين عامي 2018 و2019، انتقل هذا الجهد من مستوى النخبة الضيقة إلى الفضاء العام النخبوي، مع تنظيم فعاليات ووقفات احتجاجية في واشنطن ولندن وبروكسل حملت شعار “قضية الجنوب”. لم تكن هذه الأنشطة عفوية أو فردية، بل تطلّبت تصاريح رسمية وتنظيمًا لوجستيًا ومواد دعائية وحضورًا إعلاميًا احترافيًا، ما يشير إلى وجود دعم وتمويل وقدرات تنظيمية تتجاوز المبادرات الشخصية. وظيفة هذه الفعاليات لم تكن الضغط السياسي المباشر بقدر ما كانت تطبيع فكرة الانقسام داخل الفضاء العام النخبوي، وتحويلها من طرح هامشي إلى موضوع قابل للنقاش المشروع، بما يخلق بيئة نفسية وسياسية تتقبل لاحقًا أي مقاربة تتجاوز وحدة الدولة.
ابتداءً من عام 2020، بدأ الإطار المعرفي الجديد يترسّخ داخل مراكز الأبحاث الأميركية، حيث صدرت أوراق سياسات أعادت توصيف اليمن كـ“حالة تفكك مزمنة” تتطلب إدارة مخاطر لا مشروع إعادة بناء. في هذه المرحلة، لم تعد الدولة اليمنية تُطرح بوصفها الحل، بل جرى التعامل معها كإشكالية بنيوية غير قابلة للاستعادة في المدى المنظور. تزامن ذلك مع استمرار الإنفاق المُعلن على جماعات الضغط وتنظيم الفعاليات، وفق إفصاحات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة، والتي تُظهر أن دولًا خليجية أنفقت عشرات الملايين من الدولارات سنويًا على علاقات حكومية واستشارات سياسية وتنظيم فعاليات وفتح قنوات تواصل مع مراكز أبحاث وإعلاميين ومشرّعين. في هذا النوع من العمل، لا يُقاس النجاح ببيان رسمي واحد، بل بتغيّر اللغة وتبدّل الأولويات وإعادة تعريف ما يُعد “واقعيًا”.
خلال عامي 2021 و2022، اتّسعت القنوات الخلفية غير المعلنة، وسُجّلت محاولات تشغيل مكاتب تمثيل غير رسمية للمجلس الانتقالي الجنوبي في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية تحت مسميات “العلاقات” أو “الإعلام” أو “التنسيق”.
وفّرت هذه المكاتب نقاط اتصال دائمة، وسهّلت تنظيم فعاليات وبناء شبكة علاقات مستمرة، في وقت تراجع فيه الحضور القانوني والسياسي المنظم للحكومة اليمنية داخل هذه الدوائر.
تُعد هذه القنوات الخلفية في واشنطن من أكثر مسارات التأثير فاعلية، لأنها لا تنتج بيانات علنية، لكنها تنقل الأفكار إلى مذكرات داخلية ونقاشات خلف الأبواب المغلقة، حيث تُصاغ اللغة الأولية للسياسات، وتُحدَّد هوامش المقبول والمرفوض.
بحلول عام 2023، كانت لغة “إدارة تعدد مراكز السلطة” قد أصبحت مألوفة في أوراق السياسات والإعلام المتخصص بالسياسة الخارجية، وتراجع الحديث عن استعادة الدولة إلى الهامش. لم يُتخذ قرار دولي معلن بتقسيم اليمن، لكن إعادة تعريف ما هو “واقعي” كانت قد اكتملت، وأصبح التعامل مع سلطات الأمر الواقع مقبولًا ضمنيًا بوصفه أقل كلفة من محاولة عكس التفكك. في هذا الإطار، برز البعد القانوني بوصفه مساحة رمادية متعمّدة؛ فالقانون الأميركي المنظم لتسجيل الوكلاء الأجانب لا يمنع النشاط السياسي الخارجي، لكنه يفرض الإفصاح والشفافية عندما يكون النشاط موجَّهًا أو مدعومًا من جهة أجنبية. الإشكالية هنا لم تكن في إثبات خرق قانوني مباشر، بل في غياب الشفافية حول طبيعة التمثيل ومصادر الدعم وأهداف الحراك، إلى جانب غياب اعتراض قانوني منظم من قبل الشرعية اليمنية، ما أسهم في تطبيع هذا النشاط وتحويله إلى أمر واقع داخل الفضاء العام الدولي.
بلغ هذا المسار لحظة انكساره مع أحداث حضرموت وما تلاها. فقد كشف كسر الغطاء الإقليمي أن السردية التي جرى بناؤها خلال سبع سنوات كانت وظيفية ومشروطة، لا بنيوية.
ومع استعادة القرار السياسي والأمني، انهارت الوظيفة السياسية للمجلس الانتقالي سريعًا، وكان خروج قيادته من عدن تعبيرًا واضحًا عن سقوط الدور الذي أُنيط به ضمن هذه الاستراتيجية. في تلك اللحظة، تبيّن أن تغيّر اللغة والتحليل لم يكن كافيًا للصمود أمام تغيّر القرار السياسي الإقليمي، وأن السردية التي بدت راسخة في مراكز التفكير كانت هشّة أمام تحوّل موازين القوة.
لا يخلص هذا المقال إلى أن الإمارات اتخذت قرارًا رسميًا بتقسيم اليمن، بل إلى أنها عملت على إعادة هندسة القبول الدولي لمسار يُقصي الدولة اليمنية، ويجعل إدارة التفكك تبدو خيارًا أقل كلفة من محاولة عكسه.
الخطر الحقيقي في هذا المسار لا يكمن في إعلان الانفصال، بل في تحويل غياب الدولة إلى سياسة مقبولة، وتأجيل القرار السيادي تحت غطاء التحليل والواقعية.
وفي هذا المعنى، فإن مستقبل اليمن لا يتوقف فقط على موازين القوة على الأرض، بل على كسر السردية التي تجعل تفكيك الدولة يبدو حلًا، قبل أن يتحول هذا “التأجيل الواقعي” إلى قدر دائم يدفع اليمنيون كلفته السياسية والاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل.

0 تعليق