الروايــة التـاريخيـة بين الأدب والتــاريخ.. الجـدال الذي لا ينتهـي

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الروايــة التـاريخيـة بين الأدب والتــاريخ.. الجـدال الذي لا ينتهـي, اليوم الاثنين 23 فبراير 2026 09:33 مساءً

في العقد الأخير بدأنا نلاحظ حالة من الرواج في عالم الرواية التاريخية، وأنا شخصيا من المتابعين لعدد من الكتاب الذين برعوا في هذا الفن الأدبي وأحرص على قراءة أعمالهم الجديدة بصفة دورية. لقد كان من اللافت أن أجد اهتماما كبيرا بذلك النوع من الأدب خاصة من قبل الفئات العمرية الصغيرة والتي هي في مقتبل سن الشباب. وبما أنني من المهتمين بالبحث في التاريخ والتراث بحكم التخصص العلمي، أجد نفسي كثيرا أعود إلى الجدال القديم الجديد حول إشكالية العلاقة الجدلية بين الرواية التاريخية كعمل أدبي وبين علم التاريخ.

 

يشعر الأديب دائمًا أنه في عالم الخيال الحر فلا يقيده شيء في الكتابة، بينما المؤرخ عليه أن يلتزم التزامًا صارمًا بالمنهج العلمي لدراسة الأحداث والوقوف على الأسباب وتحليل النتائج. لكن الإشكالية الحقيقية هنا في رؤية كاتب الرواية التاريخية للحدث التاريخي نفسه. ولعل من يهتم بقراءة الروايات التاريخية يستطيع أن يلمس بنفسه مدى اختلاف الكُتاب في نقل الأحداث التاريخية روائيًا. نجد عددا من الكتاب يرى ضرورة التزام الدقة والأمانة العلمية في نقل الأحداث، وأن يُعمل الخيال فقط فيما حول الأحداث. على الجانب الآخر هناك من يرى أن العمل الأدبي ليس له حدود تُقيده، وينبغي أن يكون للروائي مساحة كبيرة من الحرية ليتحرك فيها حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة التاريخية أحيانا. 

 

وقد يزداد الأمر صعوبة عندما يتحول النص الروائي إلى عمل درامي سواء إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تليفزيوني. يُدخلنا ذلك في معضلة جديدة وهي أن المُشاهد في كثير من الأحيان يتعامل مع العمل الفني على أنه حقيقة تاريخية. ولدينا بالفعل في عالمنا العربي مجموعة من الأعمال الفنية التاريخية التي شوهت _ بقصد أو بدون قصد _ أحداثا تاريخية. من المبررات التي يتمسك بها أيضا بعض الكتاب أنهم ليسوا من المتخصصين في التاريخ، وأنهم فقط أدباء يحق لهم تصور بعض الوقائع التاريخية من منظورهم الخاص كما يفعل المؤرخ عند تفسيره للأحداث، وأن الأمر في النهاية خاضع لرؤية وتفسير كل شخص للحدث. يُدلل أصحاب ذلك الاتجاه من الأدباء بأن الكاتب لا يجب أن يتحول إلى مؤرخ فهي ليست وظيفته بالأساس،  والأمر لا يعدو عن كونه إعادة بناء للأحداث بشكل خيالي لفهم الحقيقة التاريخية بصورة أكثر عمقا، أو للتأكيد عليها لترسيخ الوعي بها.

 

أتفق كثيرا مع بعض أساتذتنا من المؤرخين الكبار أن هناك حدًا فاصلًا لا ينبغي للروائي أن يتجاوزه، وهو أن يكون العمل الأدبي الغرض منه إنكار أحداث تاريخية ثابتة أو محاولة للتضليل المتعمد للحقائق لإفساد الذاكرة الوطنية. بالإضافة لذلك فإن السير الذاتية للشخصيات التاريخية لا يمكن أن نحكم عليها حكما مطلقا، فهم بشر لديهم السلبيات والإيجابيات، لذلك يجد المؤلف فرصة للتحرك في التناول الأدبي للشخصية وفقًا لرؤيته الشخصية. وهنا يختلف الأمر من كاتب إلى آخر طبقًا لدرجة الموضوعية التي يتحلى بها، فضلًا عن مشاعره الشخصية تجاه صاحب السيرة الذاتية. ولا يخفى على أحد كم رأينا من أعمال روائية أو درامية إما تطعن في شخصيات تاريخية معينة وتحرص على إبراز مثالبها فقط، أو على العكس تعمل على تمجيدها وإظهار مناقبها فقط. هنا قد يتحول الأمر إلى عمل أدبي يتعمد تزييف الوعي بسبب انتماء المؤلف إلى حزب أو تيار ديني أو سياسي معين، ويدخل العمل الأدبي في صراعات المصالح والأهواء الشخصية.

 

هناك عدد من الكتاب استطاعوا ببراعة أن يبنوا لأنفسهم اتجاها خاصا في كتابة الرواية التاريخية، بأن يصنعوا في كتاباتهم أحداثا موازية للوقائع التاريخية، بالإضافة إلى من ييني روايته على فرضية أنه ماذا لو أن ذلك الحدث التاريخي لم يحدث مطلقا؟، أو أنه قد حدث بشكل مغاير فتَغير مجرى التاريخ إما للأفضل أو للأسوأ. على أية حال فإن المعلومات التاريخية موجودة في مصادرها الأصلية لمن يرغب في الاطلاع عليها للبحث والدراسة أو لاستلهامها في عمل أدبي. لن يكون النص الأدبي أو العمل الدرامي وثيقة تاريخية، وإنما هو محاولة لاستحضار روح الماضي في ثوب معاصر يمكن للقارئ أو المشاهد الاستفادة منه في سياقه، وخاصة للجيل الجديد المنغمس في العالم الرقمي السريع. في الواقع فإن ارتفاع أسهم كتابة الرواية التاريخية له الكثير من الفوائد، وسيظل الجدال حول مفهوم الرواية التاريخية أو العلاقة بين التاريخ والأدب مستمرا ولن يتوقف

للمزيد حول محمد مبارك أضغط هنا 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق