كيف تنجح "المالية" في خفض مؤشرات دين أجهزة الموازنة لأقل من 70%؟!

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف تنجح "المالية" في خفض مؤشرات دين أجهزة الموازنة لأقل من 70%؟!, اليوم الخميس 8 يناير 2026 06:04 مساءً

أشارت الوزارة، في إستراتيجية المالية العامة للمدي المتوسط 2026 /2027 حتي 2029 /2030 التي أصدرتها الأحد الماضي، إلي الاستمرار في تطوير إدارة دين أجهزة الموازنة من خلال تنويع الأدوات وقاعدة المستثمرين وتطويل آجال دين أجهزة الموازنة، بما يحقق وفر في تكلفة التمويل وتقليل الأعباء والمخاطر، موضحة أنها سوف تصدر استراتيجية إدارة دين أجهزة الموازنة على المدي المتوسط لتوضيح التوجهات في هذا الشأن.

مسار مالي منضبط
قال د. أحمد مُصطفي أستاذ إدارة الأعمال والخبير الاقتصادي، إن خفض دين أجهزة الموازنة العامة إلي أقل من 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 لا يجب التعامل معه كتعهد زمني، بل كنتاج مباشر لمسار مالي منضبط تحكمه معادلة اقتصادية واضحة، قوامها: معدل نمو اقتصادي مستدام، تكلفة اقتراض قابلة للسيطرة، وفائض أولي حقيقي ومتكرر، فالدين العام لا ينخفض بقرارات إدارية، وإنما يتراجع عندما تعمل هذه المتغيرات في اتجاه واحد وبوتيرة مستقرة.

أضاف أن التجارب الدولية تقدم شواهد قاطعة على ذلك، اليونان خفضت نسبة دينها من نحو 206% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 إلي قرابة 161% في 2023، رغم محدودية مواردها، عبر إعادة هيكلة آجال الدين وتحقيق فوائض أولية متتالية، وإيطاليا نجحت في خفض الدين من حوالي 155% إلي نحو 137% خلال الفترة نفسها مستفيدة من تحسن النمو الاسمي وتراجع متوسط تكلفة الاقتراض، والمغرب حافظ على دين يدور حول 70% عبر ضبط العجز وتوجيه الاقتراض للاستثمار، بينما استطاعت تركيا لعقد كامل الحفاظ على دين حكومي أقل من 40% بفضل نمو مرتفع وتوسيع القاعدة الضريبية، هذه التجارب تؤكد أن خفض الدين لا يرتبط بحجم الاقتصاد بقدر ارتباطه بجودة إدارته.

تابع: اقتصاديًا، نسبة الدين إلي الناتج لا تنخفض بسداد الديون فقط، بل عندما يكون معدل نمو الناتج المحلي الاسمي أعلي من متوسط سعر الفائدة الفعلي علي الدين، مع تحقيق فائض أولي مستدام، فإذا افترضنا نموًا اسميًا في حدود 9-10% سنويًا، ومتوسط تكلفة اقتراض يدور حول 11%، مع فائض أولي يعادل 2% من الناتج، فإن نسبة الدين تنخفض حسابيًا بمعدل يتراوح بين 1.5 و2 نقطة مئوية سنويًا، هذا المسار، إذا استمر خمس سنوات، كفيل بخفض الدين بما يتجاوز 10 نقاط مئوية دون فرض أعباء جديدة علي المواطنين.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تمتلك الحكومة الأدوات لتحقيق ذلك؟ الإجابة نعم، بشرط الانتقال من إدارة ضغوط قصيرة الأجل إلي إدارة مسار مالي متوسط وطويل الأجل، أول هذه الأدوات هو إعادة صياغة فلسفة الإيرادات العامة، بالتحول من زيادة المعدلات الضريبية إلي التوسع الأفقي ودمج الاقتصاد غير الرسمي، الذي تشير التقديرات إلي أنه يمثل ما بين 35 و45% من النشاط الاقتصادي، إدخال حتي 10% من هذا القطاع تدريجيًا في المنظومة الرسمية يمكن أن يرفع الحصيلة الضريبية بأكثر من 1% من الناتج المحلي دون المساس بالمواطن الملتزم.

الأداة الثانية تتمثل في إدارة الدين باعتباره مخاطرة مالية لا مجرد رقم محاسبي، ويتحقق ذلك عبر إطالة متوسط عمر الدين، وتقليل الاعتماد على أدوات قصيرة الأجل مرتفعة التكلفة، وتوسيع قاعدة المستثمرين، عمليًا، يعني هذا زيادة الإصدارات طويلة الأجل، وتنويع أدوات التمويل، والتوسع في جذب مؤسسات استثمارية طويلة الأجل مثل صناديق المعاشات والتأمينات.

الأداة الثالثة، والأكثر تأثيرًا، - حسب د. مصطفي - هي الاستخدام المنضبط لعوائد التخارج من الأصول غير الاستراتيجية، آلية التنفيذ هنا حاسمة: توجيه هذه العوائد بالكامل لسداد أصل الدين وليس تمويل إنفاق جاري، فخفض أصل الدين بمقدار 100 مليار جنيه، علي سبيل المثال، يؤدي إلي خفض خدمة الدين مستقبلًا بما يتراوح بين 12 و15 مليار جنيه سنويًا، وهو أثر تراكمي يعزز الاستدامة المالية ويخلق مساحة إنفاق تنموي.

أداة فعالة
أوضح أما مبادلة الديون بالاستثمارات، فهي أداة فعالة إذا نُفذت بضوابط صارمة، بحيث ترتبط بمشروعات إنتاجية محددة ذات عائد اقتصادي واضح، وجدول زمني للتنفيذ، وتقييم مستقل قبل وبعد التنفيذ، في هذه الحالة تتحول الديون من عبء مالي إلي محرك للنمو والتشغيل والصادرات.

أشار د. مصطفي إلي المقترحات الإضافية التي تعزز هذا المسار ومنها: ربط أي اقتراض جديد بعائد اقتصادي قابل للقياس يفوق تكلفة التمويل، وأيضا اعتماد سقف دين مرن مرتبط بدورة الاقتصاد لا رقم جامد، وأيضا التوسع في أدوات التمويل الأخضر والاجتماعي، حيث تقل تكلفتها عالميًا بنحو 1-1.5 نقطة مئوية عن السندات التقليدية، بالإضافة إلي تعزيز الشفافية بالإعلان عن التكلفة الحقيقية للدين لا رصيده الاسمي فقط.

أكد أن خفض الدين إلي أقل من 70% سينعكس مباشرة في تحسن التصنيف الائتماني، انخفاض علاوة المخاطر، تراجع تكلفة الاقتراض، وتوسيع الحيز المالي للانفاق على التعليم والصحة والاستثمار، وعند هذه النقطة يتحقق الهدف الأهم: انضباط مالي حقيقي يدعم الاقتصاد المصري ويحمي الاستقرار دون أن يتحمل المواطن فاتورته.

آليات التنفيذ
يقول د. حامد نبيل استاذ المحاسبة المساعد بكلية التجارة جامعة المنصورة أنه في ظل الضغوط المتراكمة على المالية العامة، عاد ملف الدين العام إلي صدارة المشهد الاقتصادي بعد إعلان وزارة المالية استهدافها خفض مؤشرات دين أجهزة الموازنة إلي أقل من 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.

أضاف أن هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول مدي واقعية هذا الهدف، والآليات التي تعتزم الحكومة توظيفها لتحقيقه، والأهم من هذا وذاك، هل يمكن إنجازه دون فرض أعباء جديدة على المواطنين في وقت تتزايد فيه التحديات المعيشية؟ فخفض الدين إلي هذا المستوي لا يُمثِّل فقط تحسنًا رقميًا في المؤشرات، بل يعكس سعيًا لاستعادة قدر من الانضباط المالي وتعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في الاقتصاد المصري.

أوضح ان الدين المرتفع يحُد من قدرة الدولة على توجيه الإنفاق للتنمية والخدمات، بينما يتيح خفضه مساحة أوسع للمناورة المالية، ويقلل من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية، غير أن الوصول إلي هذا الهدف يتطلب مسارًا مستدامًا لإنجازه، وليس مجرد إجراءات مؤقتة أو استثنائية فقط.

لفت إلي أن الحكومة، تعتمد وفقًا لما أعلنته وزارة المالية، على الاستمرار في تحقيق فائض أوْلي سنوي بالموازنة العامة، ويُعد هذا الفائض مؤشرًا مهمًا على تحسُّن إدارة الموارد العامة، إذ يعني أن الدولة قادرة على تغطية مصروفاتها الجارية دون اللجوء إلي الاقتراض، باستثناء فوائد الدين، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمُن في تحقيق فائض أوْلي في عامي أو عامين، بل في الحفاظ عليه بصورةي منتظمة في ظل ضغوط الإنفاق الاجتماعي واحتياجات الدعم والاستثمار في البنية الأساسية.

وفيما يتعلق بتنمية موارد الموازنة، تؤكد الحكومة أن التركيز سيكون على الضرائب بشكلي داعم للنمو المستدام، وهو طرح يحمل في طياته محاولة طمأنة الرأي العام بعدم الاتجاه لفرض أعباء ضريبية جديدة، فالزيادة الحقيقية في الحصيلة يمكن تحقيقها من خلال توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين كفاءة التحصيل، والاعتماد على الرقمنة للحد من التهرب الضريبي. فهذه الأدوات، إذا ما أُحسن تطبيقها. ستساعد على نمو الإيرادات دون المساس المباشر بدخل المواطن أو زيادة معدلات الضرائب القائمة.

أشار د. نبيل إلي أن الحكومة تراهن على الاستفادة من تراجع أسعار الفائدة في تخفيف تكلفة خدمة الدين، وهو عامل مؤثر بالنظر إلي أن فوائد الدين تُمثِّل أحد أكبر بنود الإنفاق في الموازنة، إلا أن هذا الرهان يظل مرتبطًا بعوامل خارجية تتعلق بالأوضاع النقدية العالمية والمحلية، ما يجعله فرصةً محتملة أكثر منه أداةً مضمونة، ويستلزم إدارة حذِرة لتجنب الاعتماد عليه بشكلي مُفرِط.

ومن ناحيةي أخري، تتجلي أيضًا أهمية برنامج التخارج من بعض الأصول واستخدام عوائده الاستثنائية في خفض رصيد الدين، إلي جانب صفقات مبادلة الديون بالاستثمارات، وتعكس هذه الآليات تحولًا من منطق الاقتراض المستمر إلي منطق إدارة الأصول والالتزامات بشكلي أكثر كفاءة، إلا أن نجاحها يتوقف على شفافية التنفيذ وجودة المشروعات التي يتم توجيه الاستثمارات إليها، بما يؤدي إلي تعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد وليس مجرد تحسين شكلي للمؤشرات.

تطوير إدارة الدين
وفي السياق ذاته، لا يقل تطوير إدارة دين أجهزة الموازنة أهمية عن خفضه اسميًا، فتنويع أدوات الدين وقاعدة المستثمرين، وإطالة آجال الاستحقاق، من شأنه تخفيض مخاطر إعادة التمويل والتكلفة السنوية للدين، والحد من الضغوط علي الموازنة العامة، وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات قد لا تحقق خفضًا سريعًا في نسبة الدين، إلا أن من شأنها تعزيز استدامته وتخفيض مخاطره على المدي المتوسط.

أما عن إمكانية تحقيق هذا الهدف دون فرض أعباء جديدة على المواطنين- حسب د. نبيل - فالإجابة تظل مشروطة، فالحكومة تمتلك بالفعل أدوات متعددة، إلا أن فعاليتها مرهونة بحسن التنسيق بين السياسات المالية والاقتصادية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، ومكافحة الهدر، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد النمو وفرص العمل، وتجدر الإشارة هنا إلي أن أي انزلاق نحو حلول سريعة تعتمد على تحميل المواطن تكلفة الإصلاح قد يحقق وفورات آنية، غير أنه يُضعِف النمو ويُقوِّض الهدف الأساسي المعلَن، ومن ثم فإن خفض دين أجهزة الموازنة إلي أقل من 70% بحلول عام 2030 يُعد هدفًا قابلًا للتحقيق نظريًا، ومدعوم بحزمة سياسات واضحة، إلا أن الاختبار الحقيقي يكمُن في التنفيذ الجاد والمستدام، ومدي قدرة الدولة على تحقيق معادلة دقيقة بين ضبط المالية العامة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ودعم النمو الاقتصادي، بحيث يتحول هذا الهدف من مجرد إعلاني طموح إلي واقعي ملموس يشعر بآثاره اقتصاد الدولة والمواطن معًا.

الانضباط المالي
أكد د. ماجد الباز استاذ المحاسبة المساعد بكلية التجارة جامعة قناة السويس ان إعلان وزارة المالية استهداف خفض مؤشرات دين أجهزة الموازنة إلي أقل من 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، لم يكن الرقم وحده هو اللافت، بل الرسالة الضمنية المصاحبة له: تحقيق الانضباط المالي دون تحميل المواطنين في مصر أعباء إضافية، ففي ظل ضغوط معيشية قائمة وتحديات اقتصادية عالمية متشابكة في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، أصبح المواطن غير قادر على تحمّل سياسات تقشفية جديدة أو زيادات ضريبية مباشرة، وهو ما يبدو أن الحكومة وخاصة المجموعة الوزارية الاقتصادية أصبحت تدركه جيداً.

أضاف ان المدخل الأول لتحقيق هذا الهدف يتمثل في تحقيق فائض أولي مستدام في الموازنة العامة، وهو ما يعني أن الدولة قادرة على إدارة إنفاقها الجاري من مواردها الذاتية دون الحاجة إلي اقتراض جديد لتغطية المصروفات الأساسية، وبدأ ذلك واضحاً في المفاوضات الأخيرة مع صندوق النقد الدولي والموقف الصريح للدولة المصرية من الديون الجديدة، والأهم هنا أن تحقيق الفائض الأولي لا يعتمد على خفض الإنفاق الاجتماعي أو تقليص الدعم الموجه للفئات الأكثر احتياجاً، بل علي إعادة ترتيب الأولويات، ورفع كفاءة الإنفاق، وهو ما يضمن حماية المواطن من أي صدمات مالية جديدة.

أما فيما يتعلق بتنمية الإيرادات، قال د. الباز إن وزارة المالية أكدت بوضوح أن الضرائب لن تكون عبئاً إضافياً على المواطنين، فالاتجاه الحالي يركز على توسيع القاعدة الضريبية لا زيادة الأعباء، عبر دمج الاقتصاد غير الرسمي الذي يحرم الخزانة العامة من موارد ضخمة. وتطبيق التحول الرقمي، وتحسين كفاءة التحصيل، هذا النهج يحقق العدالة الضريبية من خلال إلزام الجميع بالمساهمة وفق قدرتهم الحقيقية، بدلًا من الضغط علي شريحة محدودة من الممولين الملتزمين بالفعل.
                    
توسيع قاعدة المستثمرين
أشار د. الباز أن الدولة المصرية الان تراهن على الإدارة الذكية للدين العام بدلًا من تحميل المواطن تكلفة تبعات الاقتراض السابق، فتنويع أدوات الدين، وتطويل آجاله، وتوسيع قاعدة المستثمرين المحليين والدوليين، كلها إجراءات تهدف إلي خفض تكلفة خدمة الدين تدريجياً، وكل "جنيه" يتم توفيره من فوائد الدين هو جنيه يُعاد توجيهه للخدمات العامة دون الحاجة إلي فرض رسوم أو ضرائب جديدة.

أوضح د. الباز ان الاستفادة من عوائد برنامج "التخارج من الأصول" من الأدوات المهمة التي تعكس هذا التوجه أيضاً فبدلاً من اللجوء إلي "جيب المواطن"، تتجه الدولة لاستخدام عوائد بيع أو مشاركة بعض الأصول المملوكة لها في خفض رصيد الدين مباشرة، هذه السياسة وان تعد في الاجل القصير "سيئة السمعة" لعدم إدراك فئة كبيرة من المواطنين مفهومها وآليات التطبيق، ولكنها تُعد أكثر عدالة اقتصاديًا، لأنها تعالج جذور المشكلة المالية دون المساس بمستوي معيشة المواطنين أو قدرتهم الشرائية، كما تمثل مبادلة الديون بالاستثمارات نموذجًا مبتكرًا لتخفيف عبء الدين دون أعباء اجتماعية، فهذه الصفقات لا تؤدي فقط إلي خفض الدين الخارجي، بل تفتح المجال أمام استثمارات حقيقية في قطاعات إنتاجية، بما يدعم النمو ويوفر فرص عمل، وهو ما ينعكس إيجاباً على دخل المواطن بدلاً من الضغط عليه.

ولفت إلي إن خفض دين أجهزة الموازنة إلي أقل من 70% بحلول 2030 لا ينبغي أن يُنظر إليه كهدف مالي مجرد، بل كجزء من عقد اجتماعي جديد، يقوم على حماية المواطن من أعباء إضافية، وتحقيق العدالة، وبناء اقتصاد أكثر كفاءة واستدامة، فإذا نجحت الدولة في الالتزام بهذا المسار، فإن المواطن لن يكون ضحية الإصلاح المالي، بل شريكاً في ثماره.

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

أخبار ذات صلة

0 تعليق