المصدر
أهل مصر
في توقيت إقليمي شديد الحساسية، عاد ملف الحدود البحرية بين الكويت والعراق إلى الواجهة، مهددًا بإعادة فتح أحد أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ العلاقات بين البلدين.
فبعد خطوة عراقية بإيداع خرائط وإحداثيات بحرية لدى الأمم المتحدة، تصاعد التوتر الدبلوماسي سريعًا، وسط اعتراض كويتي رسمي ودعم خليجي واسع لسيادة الكويت على مياهها الإقليمية. وبين اعتبارات القانون الدولي، وحسابات الجغرافيا السياسية، وإرث ما بعد عام 1991، يقف البلدان أمام اختبار جديد لقدرة الدبلوماسية على احتواء الخلاف ومنع تحوله إلى أزمة إقليمية أوسع.
الأحداث الأخيرة وخطوة العراق
أعلنت وزارة الخارجية العراقية أنها أودعت لدى الأمين العام للأمم المتحدة في 19 يناير و9 فبراير قوائم محدثة لإحداثيات خطوط الأساس لبحرها الإقليمي ومناطقها البحرية، وفقًا لأحكام اتفاقية قانون البحار.
وقالت بغداد إن الإيداع يشمل تحديد خطوط الأساس المستقيمة والخطوط المرسومة على خط أدنى الجَزر لقياس عرض البحر الإقليمي، فضلًا عن ترسيم بحرها الإقليمي والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقًا للنظام الجيوديسي العالمي لعام 1984 (WGS-84) المعترف به دوليًا.
وأضافت الحكومة العراقية أن هذا الإيداع يحل محل الإيداعات السابقة المؤرخة في 7 ديسمبر 2021 و15 أبريل 2011، ويهدف إلى «تحديث البيانات البحرية العراقية بما يتماشى مع أحكام القانون الدولي وتعزيز الوضوح القانوني لحدود المناطق البحرية الخاضعة لسيادة العراق وحقوقه السيادية».
وأوضحت بغداد أن الإحداثيات والخرائط نُشرت على موقع شعبة شؤون المحيطات وقانون البحار التابعة للأمم المتحدة، مؤكدة التزامها بالقانون الدولي والاستقرار الإقليمي
استدعاء القائم بأعمال السفير العراقي
استدعت الكويت القائم بالأعمال العراقي لتسليمه احتجاجًا رسميًا، بعد أن أودعت بغداد بشكل أحادي إحداثيات بحرية محدّثة وخريطة حدودية جديدة لدى الأمم المتحدة، في خطوة وصفتها الكويت بأنها تتضمن «ادعاءات» تمس سيادتها ومياهها الإقليمية.
وقالت وزارة الخارجية الكويتية إن الاحتجاج جاء «على خلفية قيام العراق بإيداع قائمة إحداثيات وخريطة لدى الأمم المتحدة تضمنت ادعاءات تتعلق بالمجالات البحرية العراقية».
ووفق البيان، فإن الإحداثيات والخريطة المقدمتين تتضمنان تعديًا على سيادة دولة الكويت على مناطقها البحرية والمرتفعات المائية الثابتة والمستقرة بينها وبين جمهورية العراق، مثل فشت القعيد وفشت العيج، اللتين لم تكونا يومًا محل نزاع بشأن السيادة الكويتية الكاملة عليهما.
وقام نائب وزير الخارجية بالإنابة عزيز رحيم الديحاني باستدعاء زيد عباس شنشال، القائم بالأعمال العراقي في الكويت، لتسليمه مذكرة الاحتجاج الرسمية.
ردود فعل دول الخليج العربي ومصر
لم يقتصر الدعم على الكويت وحدها، فقد أبدت دول مجلس التعاون الخليجي تأييدها الكامل لموقف الكويت واعتبرت أن مطالب العراق البحرية تتعارض مع سيادة الكويت على مناطقها، داعيةً بغداد إلى احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وعدم الإضرار بالعلاقات التاريخية بين البلدين.حيث شددت الإمارات شددت على دعمها الكامل للكويت وضرورة معالجة الخلاف بحوار بناء واحترام مبدأ حسن الجوار وفق الاتفاقيات الدولية.
فيما اعلنت قطر تضامنها مع الكويت ودعت إلى احترام سيادتها على المياه البحرية وفق أحكام القانون الدولي.
وفي السياق ذاته، أبدت عُمان أيضًا دعمها للكويت، مؤكدًة أهمية العلاقات الأخوية واحترام الاتفاقيات والتفاهمات السابقة.
كما دعت السعودية العراق للالتزام بحقوق وسيادة الكويت وعدم الإخلال بالاتفاقيات القائمة، في سياق مساعي مجلس.
فيما أكدت مصر علي أهمية تغليب العقل والحكمة واستدعاء الروابط الاخوية بين البلدين.
الأزمة حول خور عبدالله
يقع في صلب التوتر المتجدد الخلاف الطويل الأمد حول خور عبد الله، أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين. ويحمل هذا الملف أبعادًا قانونية وسيادية واقتصادية، إضافة إلى خلفيته التاريخية المرتبطة بتداعيات الغزو العراقي للكويت عام 1990 في عهد الرئيس الأسبق صدام حسين.
ورغم استعادة العلاقات الدبلوماسية عام 2003 بعد سقوط نظام صدام، وتحسنها الملحوظ خلال العقدين الماضيين، فإن مسألة الحدود البحرية ظلت تشكل مصدر توتر سياسي ودبلوماسي.
وبعد حرب الخليج عام 1991، قامت الأمم المتحدة بترسيم الحدود البرية بين البلدين بموجب قرار مجلس الأمن رقم 833 لعام 1993. وتؤكد الكويت أن القرار حسم بشكل شامل الحدود البرية والبحرية، فيما يرى العراق أن القرار لم يشمل بالكامل الحدود البحرية العميقة في عرض البحر.
وتصاعدت التوترات العام الماضي بشأن ترسيم المناطق البحرية بعد العلامة 162، وهو امتداد بحري للحدود لا يزال غير محسوم منذ صدور القرار 833.
ويعترض العراق على اعتماد مبدأ «خط الوسط» في خور عبد الله، مفضلًا الترسيم وفق «أعمق مجرى ملاحي» (الثالويغ)، بحجة أن الأجزاء العراقية من الممر تعاني من تراكم كبير للطمى، بينما ترفض الكويت هذا التفسير.
وتفاقم النزاع في سبتمبر 2023 عندما قضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق بعدم دستورية اتفاقية خور عبد الله، معتبرة أن المصادقة عليها لم تلتزم بالدستور العراقي الذي يشترط موافقة ثلثي البرلمان لإقرار المعاهدات الدولية.
وأعربت الكويت حينها عن غضبها، ووصفت الحكم بأنه يستند إلى «ادعاءات تاريخية باطلة»، وقدمت احتجاجًا رسميًا إلى بغداد.
اللجوء لمحكمة العدل الدولية
يرى مراقبون وفقا لموقع ميدل ايست اي أن تكرار الاحتجاجات الرسمية والمراسلات الدبلوماسية قد يسهم تدريجيًا في بناء ملف قانوني قد يدفع أحد الطرفين إلى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الدولية لقانون البحار، وهي عملية قد تستغرق سنوات قبل فرض حدود بحرية ملزمة.
وفي الوقت الراهن، تؤكد كل من الكويت والعراق التزامهما بالقانون الدولي. إلا أن تبادل المذكرات بشأن الإحداثيات البحرية يبرز كيف لا تزال إرث الماضي غير المحسوم يتردد صداه في الخليج، مهددًا بتعقيد العلاقات التي شهدت تحسنًا بين الجارتين.

0 تعليق