نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل تحسم فجوة المادة والعقل الجدل؟, اليوم الأحد 22 فبراير 2026 09:23 مساءً
نشر بوساطة زياد بن عبد العزيز آل الشيخ في الرياض يوم 22 - 02 - 2026
لم يجد الدارسون للوعي في منتصف التسعينيات أفضل من اسم (المشكلة الصعبة) ليعبروا عن شعورهم تعبيرا مباشرا عن موضوع حيرهم. ليست مشكلة الوعي كيف يعالج مخ الإنسان المعلومات، ولا كيف نميز بين الألوان كالأحمر والأزرق، إنما لماذا يشعر أحدنا بشيء إزاء ما يحدث من عمليات يمكن لها أن تكون آلية داخلنا؟
نستطيع عمليا متابعة النبضات الكهربائية عبر الدوائر العصبية. ستظهر لنا أنماط من الحركة تعكسها آلات التصوير بوضوح، ويمكن لنا أن نستفيد منها لبناء نماذج رياضية لاتخاذ القرار. ومع ذلك، بين قنوات الصوديوم العصبية والكلمة التي تعبر عن أفكارنا، توجد عمليات لا نقيسها. هذه العمليات هي الشعور بالحزن أو المرارة أو الفرح، تبدو كما لو سقطت منا عند العبور من الجسر الوهمي بين المادة والعقل. ما يظهر لنا من فقدان القدرة على قياس جزء من هذه العملية هو جوهر المشكلة.
تثير فجوة الأعصاب والشعور فضول المتخصصين لكنها تعبر عن قلق حقيقي أيضا. فعندما تساءل نيجل عن ماذا يعني أن تكون كائنا آخر، كشف أن الحقائق الفيزيائية وحدها لا تساعد على الإجابة، بل تكشف عن عجز منهجي في تفسير الظواهر غير المادية.
لكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد. إذا كنا لا نستطيع قياس الوعي كما نقيس غيره من العمليات، فكيف نفسر ضرورته. تجري كثير من العمليات داخلنا دون وعي: الهرمونات التي تستجيب للمؤثرات الخارجية، نبضات القلب، ردود الفعل اللحظية، كلها عمليات مهمة، تنفذ خارج نطاق الوعي والإرادة. فلماذا كانت بعض العمليات ضمن نطاق الوعي وبعضها الآخر خارجها؟
إحدى الإجابات المحتملة هي معالجة التعارض. حين يتنافس الجوع مع التعب، أو الطموح مع الخوف، أو الولاء مع المصلحة، لا بد من مساحة للفصل والترجيح. يفتح الوعي في هذا التصور ساحة داخلية لمقارنة الدوافع المتعارضة. من الإجابات الأخرى أن الوعي وسيلة اجتماعية. لأننا لا نعيش وحدنا، لابد أن نجد معنى من ردود الأفعال، حيث يصبح الوعي معبرا عن النوايا ولغة لفهم الأفكار.
يقع التفسير الوظيفي للوعي تحت هجوم بعض الدارسين لأنهم يستطيعون تخيل معالجة المشكلات الوظيفية بطريقة آلية، مما لا يفسر ضرورة وجود الوعي. إذا كان وجود الألم ضروريا فلماذا نشعر به، في حين يمكن تنفيذ التنبيه الوظيفي بطرق أخرى، أقل ألما ربما.
التفسير المادي البحت للوعي يضع الذكاء الاصطناعي في موقع فلسفي حرج. تنطلق كثير من نماذج الذكاء الاصطناعي من افتراض أن العقل ليس إلا معالجة معلومات، وأن ما يفعله الدماغ يمكن إعادة إنتاجه حسابيا. لكن الفجوة بين المادة والعقل التي يناقشها اليوم فلاسفة الوعي لفهم العلاقة بين الوظيفة والشعور تجعلنا ندرك أن الذكاء الاصطناعي آلة معقدة وأن أي اعتبار للوعي فيها بعيد جدا.
لذلك محاكاة السلوك أو اتخاذ القرار لا تعني بالضرورة وجود وعي داخلي. يصبح السؤال: هل يكفي التعقيد الحسابي للوصول إلى حالة من الوعي، أم أن التجربة تكشف أن الوعي لا يمكن اختزاله حسابيا؟ الإجابة مؤثرة في حكمنا على الذكاء الاصطناعي، هل نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة متقدمة، أم كيان له منظور ذاتي؟
0 تعليق