......تقول في حاضرنا اليوم زوجة أبي اصبحت عجوزا تعدت الثمانين من عمرها والغريب أنها تعيش مع أخي في نفس البيت وحين تمرض يجري بها الى الطبيب حتى ولو في منتصف الليل ذالك الليل الذي كانت لنا فيه أقسى الذكريات معها وهل تعرفون مَن مِن إخوتي ذلك الذي كان يبيت عاريا في المطبخ اليوم اولاده ينادونها جدتي ويقضون لها كل طلباتها ولكنها رغم هذا تنام وحدها في غرفة باردة خالية من الحب و الحنان ذالك الحب الذي لم تعرف كيف تزرعه فينا في صغرنا حتى تحصد ثماره الآن في شيخوختها
و لأنها لم تنجب اطفالا فنحن نصلها لوجه الله ونزورها في المناسبات والأعياد الا اننا من المستحيل ان ننسى ما مر بنا خصوصا أننا نعاني كلنا من ذالك البرد الذي تحملناه في صغرنا ويظهر اثره اليوم فينا
وبعيدا عن الأشباح والخوف سأحدثكم عن خالتي الوحيده مريم كانت خالتي عجوزا مسنه لأنها الأكبر بين اخوتها وكانت تسكن في الباديه وتعيش من خيرات مزرعتها النباتيه والحيوانيه وكانت تزورنا من حين لآخر عكس زوجها عمي أحمد الذي كان ياتي لزيارتنا كل يوم ثلاثاء لأنها السوق الاسبوعيه اين كان يبيع منتوجات مزرعته رحمة الله عليه..
كنا ننتضر زيارة خالتي لنا بفارغ الصبر وعندما كنت أرها لا أعرف بما كنت اشعر وكأن شيءا ما يتحرك بداخلي فبالرغم من انها كانت عجوزا كبيرة في السن الا انها كانت لا تتوانى عن زيارتنا ومائن نسمع أزيز سيارتها البيضاء حتى نسرع الى الشارع فتغمرنا سعادة لا توصف عند رأيتها فنسرع الى مساعدتها على حمل قفتيها الملونتين بالأحمر تلك القفتان من الدوم اللتان كانتا دائما ما تكون محملة بكل ما لذ
وطاب من المعجنات والمخبوزات وبيض وجبن وزبد ولبن وذالك الكيس الذي يعلوها دائما ما يحمل كل السعادة التي في الوجود من ملابس واحذية واقمصة كانت تحيكها لنا من الصوف أما اخوتي فكانو يحملون عنها تلك الدجاجات المربوطه من ارجلها وهي تصيح فتملأ الفرحة بيتنا كانه العيد في صورة خالتي
ولكن زوجة ابي كانت تتمغص منها و سرعان ما تدخلها غرفتها وتمنعنا من الدخول اليها فلا نراها الا خلسة من وراء الستار فتجلس معها و تاكل معها وتراقبها حتى لا نخبرها عن معاملتها السيئة لنا وتطعمنا لوحدنا وبعد أن ننام ترتب لها فراشها وتأتي بها الى غرفتنا لتجدنا نيام فتنام هي ايضا
وتغادرنا في الصباح بعد محاولات عده لإصطحابنا معها حتى نقضي اياما عندها لكن دون جدوى لأن زوجة ابي لن تقبل أبدا وهكذا ينتهي عيدنا وخالتي مغادرة قبل حتى أن يبدأ و هي تتحسر على اختها صغيره المدلله التي رحلت لتغلق صفحة من حياتها حارمة اياها من سند في الحياة ونحن أشد منها حسرة على ام رحلت قبل ان نعرف معها حب الخاله وحنان الخاله ودلال الخاله وكرم الخاله فرحمة الله عليكما يا اغلى الأحباب
وهكذا يرحل كل من يزورنا ليعود الى حياته ونعود نحن الى حياتنا البائسه والى بيتنا المظلم الذي أُعْتِمَ يوم انطفأ نور امي الذي كان يضيئه رغم ذلك وجود أبي في حياتنا كان الأمل بالنسبة لنا رغم صمته كان يسعدني صوت عكازه داخل البيت خاصة عندما يدخل المطبخ ويبدأ يلتفت يمينا وشمالا فأسأله هل تريد السكر يا أبي فيهز رأسه اي نعم فآخذ السكر واضع البعض منه في كفه فيلتقمه ويخرج بهدوء فمن عادته دائما وضع علبة من الحلوى تحت وسادته ويأخذ منها من حين لآخر ربما مرارة الحياة عودته على فعل ذالك ضنا منه ان مرارة عيشه تحليها قطعة من الحلوى او السكر
توالت السنين ونحن على حالنا لم يتغير شيء فينا الا أننا اصبحنا اكبر وانضج وهذه السنه اتممت الخامسة عشر سنة واختي إحدى عشر سنة وانخرط أخي في الجيش ولم نعد نراه الا نادرا اما أخي الثاني فلم يكن مجتهدا في دراسته فترك الدراسه فراح يعمل في كل شيء
كبرنا وقد ربينا انفسنا بأنفسنا فتعلمنا الصبر والحياء والحكمة من صمت أبي ومعاملته الطيبه لنا وحسن خُلقه و سيرته بين الناس فلم نعرف من الدنيا الا كيفية التعايش مع الألم و جدران بيتنا الأربعة
لم أكن أخرج من البيت إطلاقا الا للحمام كل اسبوع او اثنان فأنتضر ذالك اليوم بفارغ الصبر حتى أرى الناس و الشوارع كأنني عصفور في قفص لا يرى العالم الا حين يحمل صاحبه القفص ويخرج به حين لآخر ليعلقه امام الشمس فيرى اقرانه يطيرون بكل حرية اما هو فلا حول له ولا قوه له الا النظر من خلال القفص على أمل ان يفتح له شخص ما بابه او ينسى صاحبه غلقه ذات يوم فيحلق بعيدا ليرى العالم الكبير
هذا هو حالي لم أكن أخرج الى اي مكان لا لعرس ولا زياره و لا في الأعياد
وتقدم سن ابي ايضا واصبح اضعف و في أحد الأيام ساءت حالته مما اضطره الى دخول المشفى لاجراء عمليه جراحيه ومكث فيها لايام عديده وكنت أدعو الله أن لا يحرمنا اياه حتى لا نبقى تحت رحمة زوجته و ذهب جميع اخوتي لرؤيته في المشفى الا أنا فطلب ابي من زوجته أن تصطحبني معها في المرة القادمه لكي يراني لأنه اشتاق اليا
كانت زوجة ابي تنعتني بكل قبيح وتتفنن بالإذائي بالفاظها القاسيه وذلك لتجبرني على الرد عليها فتجد سببا لتضربني ولكني كما قلت سابقا اصبحت انضج ولم يعد سني يسمح لي ولا لها ان تترك آثار سوطها علي فكنت اكتفي بالصمت و الدعاء أن يفرج الله عني ما أنا فيه
في تلك اليلة جاءت اليا وأخبرتني أننا سنذهب غدا عند والدي الى المشفى و قبلها سنزور خالي لنبارك له لأنه سيزوج ابنه وبعدها نذهب عند ابي للمشفى فرفضت ان اذهب معها ثم عدت و وافقت لأنني اشتقت الى أبي
في الصباح إنطلقنا الى المدينه مسقط رأس أمي كانت اول مرة اركب فيها حافلة والله كانت سعادتي لا توصف شكرت خلالها الله ثم أبي الذي بسببه أرى العالم و رحت انظر الى الاشجار و هي تجري و اقسم بالله حتى الطريق كانت تظهر لي من بعيد و كأن فيها بركة من الماء وعندما نصل ذالك المكان أجده جافا فعرفت يومها المعنى الحقيقي للسراب
•تابع الفصل التالي "قصة اليتيمة" اضغط على اسم الرواية

0 تعليق