نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قراءة في تحولات الحدود العراقية من أزمات "الشُّكّر والكبريت" إلى سيادة البحار, اليوم الخميس 26 فبراير 2026 12:31 صباحاً
من أزمات "الشُّكّر والكبريت" إلى سيادة البحار: قراءة في تحولات الحدود العراقية .
تستوقفنا المراسلات التاريخية المودعة في الأرشيف البريطاني لحكام الكويت بكثير من التأمل والمفارقة، حيث كانت "الأزمات الدولية" في تلك الحقبة تُختزل في شكاوى "بدوية" الطابع، تُرفع إلى المقيم السياسي الإنكليزي للتظلم من ضياع "خمسة أكياس من السكر الهندي" أو "ثلاث علب من ثقاب النجمة". هذه المراسلات التي كُتبت بلغة عفوية تعكس عقلية المشيخة قبل تبلور مفهوم الدولة الحديثة، لم تكن مجرد حكايات طريفة، بل كانت تؤسس لنهج الاستقواء بالخارج لفرض واقع جغرافي على حساب العراق. واليوم، يتجلى الربط التاريخي بين تلك "البساطة السياسية" وبين المحاولات المستمرة لقضم الحقوق البحرية العراقية، حيث تحول الطموح من السلع الاستهلاكية إلى الاستحواذ على الممرات المائية والمقدرات السيادية.
إن هذه العقلية التي كانت ترى في "المعزب" البريطاني حكماً وقاضياً، هي ذاتها التي حاولت لاحقاً استغلال الفراغات القانونية والظروف القاسية التي مر بها العراق لتثبيت اتفاقيات جائرة، ومنها اتفاقية "خور عبد الله" التي أرادت قوى سياسية داخلية وبرلمانات متعاقبة تمريرها رغماً عن إرادة الشعب، ضاربةً عرض الحائط بقرارات القضاء العراقي الوطني. إلا أن الوعي الجماهيري الذي استند إلى شخصيات فنية ووطنية مخلصة، كالمهندس عامر عبد الجبار واللواء جمال الحلبوسي، استطاع كشف عوار تلك الاتفاقيات وإعادة الصراع إلى مربعه القانوني الصحيح.
إن إيداع العراق لخرائطه البحرية الجديدة لدى الأمم المتحدة، وتحديد معالم حدوده ومقدراته المائية بدقة فنية متناهية، يمثل الإعلان الرسمي عن انتهاء حقبة "دبلوماسية الترضيات" التي كانت تُدار بعقلية الرسائل المتبادلة في الظرف الغامض. لقد انتقل العراق اليوم من مرحلة الصمت أو الاستجابة لضغوط "الخرائط الورقية" الموروثة من الحقبة الاستعمارية، إلى مرحلة إثبات السيادة بالوثائق والمواثيق الدولية التي تضمن عدم اختناق رئته البحرية المتمثلة في ميناء الفاو الكبير. إن هذا التحول المهني والقانوني يقطع الطريق على محاولات التمدد في منطقة "فيشت العيج" وغيرها، ويؤكد أن مياه العراق ليست "هبة" تُمنح في صفقات سياسية عابرة، بل هي إرث تاريخي وحق قانوني غير قابل للتصرف، لتظل تلك المقدرات ملكاً للشعب الذي رفض أن تُباع حقوقه في مزادات السياسة كما كانت تُقايض "أكياس الشكر" في غابر الأزمان.

0 تعليق