بيروت ـ داود رمال
يتقدم التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان بوتيرة مقلقة، في لحظة إقليمية شديدة الخطورة تتداخل فيها المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية مع تهديدات مفتوحة باحتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة.
وجاء العدوان الأخير، الذي استخدمت فيه إسرائيل سلاح البوارج البحرية إلى جانب القصف البري والجوي مستهدفة صيدا وبلدات في البقاع، ليشكل منعطفا خطيرا ويضع الداخل اللبناني أمام اختبار كيفية استكمال خطة حصر السلاح داخليا، وكيفية منع تحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
وقال مصدر سياسي لـ «الأنباء» إن «توقيت الضربة ليس معزولا عن المناخ الإقليمي المشحون، اذ ارادت إسرائيل توجيه رسالة مزدوجة، الأولى إلى الداخل اللبناني بعد عرض الجيش أمام مجلس الوزراء تقريرا حول مراحل تنفيذ خطة حصر السلاح، والثانية إلى الخارج، وخصوصا إلى طهران وواشنطن، بأن أي تفاهمات لا تراعي الحسابات الأمنية الإسرائيلية ستواجه بتصعيد ميداني مباشر».
وأوضح المصدر أن «إدخال البوارج البحرية على خط الاستهداف في البقاع يحمل دلالات عسكرية وسياسية، إذ يكرس انتقالا من نمط الضربات الموضعية إلى استخدام أدوات ردع ثقيلة ترسم معادلة نارية جديدة، بما يعكس استعدادا لتوسيع هامش العمليات إذا اقتضت الحسابات الإقليمية ذلك، كما ان استهداف عمق البقاع من الجو والبحر معا يهدف إلى إظهار قدرة على ضرب أي نقطة في الجغرافيا اللبنانية، في محاولة لفرض واقع أمني ضاغط يتجاوز حدود الجنوب التقليدية».
وأشار المصدر إلى أن «تقرير الجيش حول مراحل تنفيذ خطة حصر السلاح شكل في حد ذاته رسالة داخلية وخارجية، مفادها أن الدولة ماضية في بسط سلطتها وفق جدول زمني مدروس، وأن أي تصعيد إسرائيلي في هذه اللحظة يقرأ كمحاولة لإرباك المسار الداخلي وإضعاف موقع الدولة التفاوضي أمام المجتمع الدولي. فإظهار لبنان وكأنه عاجز عن ضبط ساحته يسهل تبرير استمرار الاعتداءات تحت عنوان الدفاع الاستباقي».
وفي السياق نفسه، لفت المصدر إلى أن «العدوان الأخير لا يمكن فصله عن مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية، حيث تستخدم إسرائيل التصعيد الميداني كورقة ضغط غير مباشرة، سواء لتعديل شروط التفاوض أو لرفع سقف المطالب الأمنية. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك ساحته مع التوازنات الإقليمية، يتحول سريعا إلى منصة رسائل نارية كلما ارتفع منسوب التوتر بين العواصم الدولية والإقليمية».
وأكد المصدر أن «السلطات الدستورية تتحرك على أكثر من خط لاحتواء الموقف، من خلال مشاورات داخلية لتثبيت الوحدة الوطنية خلف خيار تجنيب البلاد الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، واتصالات خارجية مع عواصم فاعلة للدفع نحو لجم التصعيد وإعادة تثبيت قواعد الاستقرار. ويتمثل الرهان الأساسي يتمثل في تحصين الجبهة الداخلية، لأن أي تصدع سياسي أو سجال حاد حول ملف السلاح أو حول الرد على العدوان قد يستثمر إسرائيليا لتبرير مزيد من العمليات».
وأضاف أن «لبنان يراهن على تفعيل شبكة الأمان الدولية المرتبطة بالقرار 1701، وعلى الضغط الديبلوماسي لتثبيت وقف الأعمال العدائية، في حين ان استمرار الاعتداءات يمثل انتهاكا للسيادة ويقوض الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار.. والمجتمع الدولي أمام اختبار صدقيته، إذ لا يمكن الحديث عن دعم الدولة اللبنانية في بسط سلطتها بالتوازي مع غض الطرف عن ضربات تقوض هذا المسار».
ورأى المصدر أن «التحدي الأكبر يكمن في إدارة التوازن الدقيق بين استكمال خطة حصر السلاح كخيار سيادي داخلي، وبين منع تحويل هذا المسار إلى ذريعة لتصعيد خارجي. فالمعادلة المطلوبة، هي تثبيت سلطة الدولة من دون الانجرار إلى حرب، وتحييد لبنان عن الاشتباك الإقليمي من دون تقديم تنازلات تمس سيادته».
وأكد «أن المرحلة المقبلة ستشهد تكثيفا للاتصالات والجهود لخفض التوتر، لأن أي خطأ في الحسابات، في ظل مناخ إقليمي قابل للاشتعال، قد يدفع لبنان إلى مواجهة لا يريدها ولا يحتمل كلفتها. وبين تقرير عسكري يسعى إلى تكريس حصرية السلاح، وتصعيد إسرائيلي غير مسبوق في العمق اللبناني، يقف لبنان أمام سباق مع الزمن لتثبيت التهدئة ومنع انزلاقه إلى أتون حرب إقليمية مفتوحة».

0 تعليق