في كل موسم رمضاني تتجدد المطالبات بوقف بعض المسلسلات والبرامج؛ استنادا إلى أسباب ووجهات نظر تتعلق بطبيعة المحتوى المعروض، إلى جانب موجات واسعة من الانتقادات التي تتصاعد عقب كل حلقة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وعلى الجانب الآخر يرى البعض أن هذا الجدل الموسمي لا يسفر في النهاية عن نتائج حقيقية، إذ سرعان ما تهدأ موجة الانتقادات، ويستمر المحتوى كما هو دون تغييرات جوهرية وبنفس نسب المشاهدة المرتفعة؛ فهل المشكلة في طبيعة المحتوى ذاته أم في آليات إنتاجه وضبطه؟، وهل يكفي الجدل الموسمي لمراجعة المعايير أم أن الأمر يحتاج إلى نقاش أوسع؟
قواعد مهنية وأخلاقية غير مُفعلة
تقول الدكتورة أمل خطاب، أستاذ ورئيس قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة بنها، في تصريحات لـ"الشروق"، إن هناك قواعد مهنية وأخلاقية عامة تنظم العمل الإعلامي بشكل عام بكل أشكاله وتصنيفاته، كضمان عدم حدوث ضرر جسدي أو نفسي للضيف، واحترام كرامته، وعدم التحريض على العنف أو السخرية الجارحة.
وأضافت أنه بالنسبة لبرامج المقالب مثلا، والتي تحظى بالنصيب الأكبر من الانتقادات، فالمشكلة تكمن في أنها دائما ما تقع بين الترفيه والأذى النفسي، خصوصا عندما يعتمد المقلب على تخويف مبالغ فيه أو إحراج أمام الناس، أو وضع الضيف في موقف من الممكن أن يسبب له صدمة أو ضغطا نفسيا كبيرا.
كيف يمكن تحقيق التوازن بين حرية الإعلام ووضع معايير؟
وأوضحت أن حرية الإعلام قيمة أساسية، لكنها ليست حرية مطلقة بل حرية مسئولة، والإعلام الترفيهي تحديدا يجب أن يوازن بين جذب الجمهور وبين احترام المعايير الأخلاقية، والمعايير موجودة بالفعل ومعروفة لدى المعنيين العاملين في مجال الإعلام، لكنها تحتاج إلى تفعيل من خلال وجود إشراف مهني حقيقي من القنوات المنتجة، وليس فقط ترك الأمر لاعتبارات نسب المشاهدة.
هل يتحول الجدل والانتقاد إلى أداة دعائية تزيد من الانتشار؟
وترى الدكتورة أمل أنه في كثير من الحالات، الجدل نفسه يصبح جزءً من الخطة التسويقية، فمثلا برامج مثل رامز جلال والكاميرا الخفية تعتمد منذ سنوات على معادلة واضحة وهي: "صدمة قوية + ضيف مشهور + جدل واسع = نسب مشاهدة مرتفعة"؛ فكل موسم تقريبا يبدأ بنقاشات حول حدود الإيذاء والإهانة، وإذا كان المقلب تمثيل أو حقيقة، لكن هذا الجدل يخلق ترندا على السوشيال ميديا ومقاطع متداولة خارج سياق الحلقة، إلى جانب مقالات نقدية تتحول إلى ترويج غير مباشر، وهو ما يعرف في اقتصاد الإعلام بـ"التسويق بالصدمة".
الجمهور نفسه شريك فعلي في المعادلة
وأشارت إلى أن استمرار برامج المقالب، مثلا، رغم سيل الانتقادات، يرجع إلى عدة أسباب: أولها المنطق الاقتصادي؛ فهذه البرامج تحقق مشاهدات ومكاسب ضخمة للمعلنين، وثانيا أن الانتقادات غالبا ما تكون أخلاقية فقط لكن بدون عقوبات حقيقية أو أطر صارمة توقف التجاوزات، فيتحول النقد إلى مجرد ضجيج موسمي؛ وثالث الأسباب وهو السبب الأهم أن الجمهور نفسه شريك فعلي في المعادلة، فالمشاهدة أشبه بعملية تصويت غير مباشرة على الاستمرار، فتقوم علاقة تبادلية واضحة: المنتج يقدم الصدمة والجمهور يمنحها الشرعية الرقمية.
هل نجاح وانتشار المحتوى المثير للجدل يعكس تغيرا في الذوق العام؟
وأوضحت أن نجاح المحتوى المثير للجدل لا يعني ببساطة أن الذوق العام تراجع، لكنه يعكس تغيرا واضحا في طريقة تلقي الجمهور للمحتوى، فنحن نعيش عصر السرعة والمقاطع القصيرة والبحث عن الصدمة الفورية في ظل منافسة حادة على جذب الانتباه، ومع تعرض الجمهور يوميا لمحتوى أكثر جرأة عبر المنصات الرقمية أصبح سقف التقبل أعلى مما كان عليه في الماضي.
ومع ذلك، يظل هناك توتر واضح بين قيم الكرامة والاحترام الاجتماعي من جهة، ومتطلبات سوق إعلامي قائم على الإثارة والصدمة من جهة أخرى، وهو تحديدا ما يخلق حالة الانقسام المجتمعي المتكررة كل موسم حول هذه البرامج.
المطلوب ليس المنع
وأكدت دكتورة أمل خطاب أنها ليست مع المنع، فالحرية الإعلامية قيمة أساسية، لكن الحرية لا تنفصل عن المسئولية، فالمطلوب ليس إيقاف الترفيه بل إعادة التفكير في حدوده، وهذا إلى جانب تعزيز وعي الجمهور عبر التربية الإعلامية حتى يدرك آليات اقتصاد الصدمة ولا يتحول إلى شريك غير واعٍ في استمراره.
ظاهرة القطيع والتفريغ الانفعالي
ومن الناحية النفسية، يؤكد الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي لـ"الشروق"، أن مواقع التواصل والإعلام تلعب دورا في تشكيل الانطباعات الجماعية، فأحيانا يتبنى الجمهور رأيا سائدا دون مشاهدة المحتوى كاملا، فيتحول الحكم إلى موجة جماعية، وإذا قيل إن البرنامج أو المسلسل جيد تكررت الإشادة، وإذا وصف بأنه سيئ انتشرت الانتقادات، كما أن بعض المشاهدين قد يعلنون رأيا مخالفا لقناعاتهم الشخصية خوفا من لوم الآخرين أو رغبة في مواكبة الاتجاه العام، وهو ما يعكس تأثير الضغط الاجتماعي على التقييمات.
وأضاف أن بعض المشاهدين قد يجدون في متابعة المقالب أو المشاهد العدوانية في المسلسلات نوعا من التفريغ الانفعالي، فمشاهدة موقف صادم أو مشاجرة قد تمنح شعورا مؤقتا بالقوة أو التفوق، وكأن المتلقي يشارك في الحدث دون أن يتحمل تبعاته، وهذا "الإسقاط" يسمح للمشاهد بالتعبير غير المباشر عن طاقات مكبوتة، لذا تزيد نسبة المشاهدة رغم الانتقادات.

0 تعليق