نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين يحتج العلم الذكي على جدوى الفلسفة..!, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 12:28 صباحاً
نشر بوساطة محمود حيدر في الوطن يوم 08 - 01 - 2026
ما الذي سيكون عليه الحال حين تُسائلُ الفلسفةُ العقلَ العلميّ وهو اليوم يَبلغ ما بلغه من عظيم الذكاء وعلياء الفطنة؟ قد يأتي الجواب أدنى إلى خطْبٍ جَلَل، لو أدركنا ما للفلسفة من حجّة على العلم بعدما تمكَّنت غزواته من إقصاءِ التأمُّل الميتافيزيقيّ، واستنزاله إلى مجرّد عِلمٍ رتيب في دنيا العلوم الفسيحة. ثمّ إنّنا قد نتلقّى ما هو مذهلٌ في الإجابة حين تتبدّى لنا حجّة العِلم على الفلسفة، إذ يعيد إلى ذاكرتها حقيقة قيامها به في نشأتها الأولى.
لا تتوقّف المسألةُ على هذا الحدّ؛ فسيَظهر لنا بصورة لا لَبس فيها، وعلى امتداد أزمنة الحداثة، كيف انبرى منظّرو العقل العلمي الحديث إلى «لَيْ عنق» الفلسفة قصد تطويعها وتحويلها إلى عِلمٍ كسائر العلوم الإنسانيّة. البيِّنَ أنّ هؤلاء - وفي طليعتهم إيمانويل كانط - أفلحوا بما انبروا إليه. من بَعد ذلك، كيف انحصرت مهمّة الفلسفة الحديثة بمُعايَنة البنية الشكليّة للعقل، أي بوصفه أداة قياسٍ وحساب، والنّظر إليه - تبعاً لهذا الوصف - على أنّه المرجع الوحيد الذي يُمكن الاستناد إليه لفهْمِ الأساس الحقيقي للمعرفة اليقينيّة بالعالَم.
اللّافت أنّ الذين أَخذهم الذهول ممّا توصّلت إليه الاختباراتُ الأخيرة للعقل العلمي، سيأخذون جرعةً إضافيّة من الوهْم الإقصائي للفلسفة بصيغتها الميتافيزيقيّة. مع تصاعُد وتائر الذكاء الصناعي سيتضاعف مستوى الوهْم وسوء التقدير، ليُظهر الديالكتيك الداخلي الذي أَطلقته الفيزياءُ الحديثة، حقائق غابت عن العقل الفلسفي بنسختَيْه الكلاسيكيّة والحديثة. وهذه الحقائق سوف تَضع الفلسفةَ أمام حَرَجٍ عظيم: هو الخشية من تقويض أحد أبرز أركانها الأنطولوجيّة، وبخاصّة، إعراضها عن فهْمِ حقيقة الكون بالعقل المحض، وقولها باستحالة التعرُّف إلى «النومين» أو إلى حقيقة الشيء في ذاته.
ولأنّ مشهديّة العقل الذكي بصنائعه المتقدّمة، هو سليلُ السيرورة المنطقيّة لِما سُمّي «الحقيقة العلميّة»، فإنّه - في ماهيّته وهويّته وظهوره، وتبعاً للامتداد اللّامتناهي لنشاط العقل الإنساني - يُعَدُّ طفرة طبيعيّة ممّا يُمكن أن يفلح به العقل حين يمضي بعيداً في استكشاف الكون وحقائق الموجودات. وهنا لستُ أخفي ممّا أستشعِرهُ بين حين وحين، من أنّ الفيزياء الحديثة ربّما جاوزتْ نباهةَ التقليد الفلسفي حين أَخرجت بعضًا يسيرًا ممّا توصَّلت إليه في التعرُّف إلى ما يُشير إلى حقيقة ذلك المكنون الذي يُسمّى الشيء ذاته. تُبيِّن الوقائع أنّ الفلسفة واصلت - منذ أرسطو - الفصلَ بين «النومين» و«الفينومين» زاعمةً أنّ الأوّل يتأبَّى على الفهْم ويستحيل العِلم به على مدركات العقل.. في حين أنّ الفيزياء الحديثة بذكائها الفائق، أَحكمت عملها وفقًا لوحدة أشياء الكون، ورَسمت دربتها على أحاديّةٍ لا انفصام لها بين الشيء المُحتجِب بذاته والشيء البادي للعيان. بل طَفقت تبتني نظامَها المعرفي على تناغُم الأشياء في ظهورها وبطونها. ثمّ لتقرِّر بعد التجربة والملاحظة أنّ كلّ شيء من أشياء الكون يسري من نفسه الباطنة إلى نفسه الظاهرة، وبالعكس، بلا انقطاعٍ وانفصال. إلى ذلك، لم يكُن للذكاء الاصطناعي أن يَظهر على نصاب الدهشة، لولا أنّ العقلَ البشريَّ الأصيل سدَّدَهُ بطائفةٍ من الفرضيّات جاوزت المألوف في عالَمِ التأمّلات الفيزيائيّة.
لعلّ ما زاد من هجران الحداثة ونكرانها للميتافيزيقا، أن انتهت النتائج الفعليّة لكلٍّ من الثورتَيْن الكوبرنيكيّة والكانطيّة إلى الغموض والضبابيّة على نحوٍ مريع. صحيح أنّ هاتيْن الثورتيْن أَسهَمتا في إيقاظ الإنسان الغربي ولفتِ انتباهه نحو واقعٍ جديد أكثر امتلاءً بروح الابتكار والمغامرة، إلّا أنّهما من وجهٍ آخر دَأبَتا على إزاحة هذا الإنسان وإقصائه على نحوٍ جذري: الأولى، أَقصته من مركز الكون، والثانية حَجبت عنه المعرفة الحقيقيّة لذلك الكون. وعلى هذا النحو وَقع إنسانُ الحداثة في معضلةٍ مركَّبة كَونيّة ومعرفيّة في الآن عيْنه.
العِلم الذكيّ بين الفيزياء والميتافيزياء
عُدَّ التساؤل عن إمكان وجود صلة بين القوانين الحاكمة على الطبيعة وعوالِم ما بعد الطبيعة أحد أبرز المعضلات التي سعى العقل الفلسفي إلى الوقوف عليها واستخراج المبادئ المنطقيّة المناسبة لها. وإذا كان هذا التساؤل لا يني يقضُّ سكينةَ المفاهيم الفلسفيّة منذ الحقبة الإغريقيّة إلى حقبات الحداثة وما بعدها، فقد جاء العِلم الذكي بحوادثه وانعطافاته الكبرى، ليُتاخمَ الجواب من مكان غير معهود. فلقد بدا بما لا يَقبل الريب، أنّ العلمَ الذكي أعاد للفلسفة الاهتمام بأصل الوجود من بَعد نسيانها إيّاه. هو الأمر الذي سيَفترض على الفلسفة استئنافَ مهمّة التعرّف إليه وإعادة استكشافه من جديد.
الفلاسفة الذين استحوذ عليهم هذا الإشكال، سيذهبون إلى تبنّي فكرة انعطافيّة قد تؤسِّس لإعادة وصْل القطيعة بين الفيزياء والميتافيزياء من دون أن يفضي هذا الوصل إلى مُخالَفة المبادئ والقواعد البديهيّة لنظام عمل العقل. الفيلسوف الألماني جوتغريد فيلهلم لايبنتز سيأتينا بعباراتٍ مكثّفة تَختصر مواقفه حيال التفسير الميكانيكي لحركة الطبيعة. فالذي ذَهب إليه هو التأسيس لفكرةٍ تقول بضرورة العودة إلى الميتافيزيقا لتفسير حقيقة الفيزياء. يقول: لو كانت قواعد الميكانيكا تابعة للهندسة فقط من دون الميتافيزيقا لكانت الظواهر على غير ما هي عليه كليًّا.
وهذه الأطروحة تَعني في المقام الأوّل وعي أنّ الوجود الفيزيائي يعود في ظهورِه وأصل هذا الظهور إلى إرادة ميتافيزيقيّة أخرجته إلى الوجود. وهنا على وجه الضبط يَقع التمييز الأنطولوجي بين ماهيّة الواجد وهويّة الموجود، هكذا، وطالما قد اعترفنا بحكمة الله في جزئيّات بنية بعض الأجسام الخاصّة والميكانيكيّة، يصير من اللّازم أن تَظهر تلك الحكمة أيضًا في هيئة العالَم العامّة، وفي تكوين قوانين الطبيعة.
من المبين أنّ مهمّةَ الفيزيائي بحسب سقراط تكمن في البحث في كلّ شيء عن العلّة الغائيّة التي تكون بموجبها العلّة الفاعلة ثانويّة الدور والمقام. لكنْ ثمّة خلافٌ من هذه الوجهة بين الرؤية السقراطيّة حول العلّة الغائيّة ورؤية لايبنتز المستندة إلى التطوّرات الجوهريّة للعلوم الفيزيائيّة. وإذا كان من الجائز القيام بمُقارناتٍ بين نظريّة سقراط ونظريّة لايبنتز في الغائيّة، فلا بدّ من ملاحظة الاختلاف الجوهري بينهما: فإذا كان سقراط يستعمل الأطروحة الغائيّة لتفسير جزئيّات الظواهر، عَمَدَ لايبنتز على ألّا يَذكر الفكرة الغائيّة إلّا حين يتعلّق الأمر بفعل الخلْق، وفهْم كنه العالَم في كلّيّته. ذاك يشير إلى أنّ لايبنتز جاوَزَ الرؤية السقراطيّة حين نَقل القضيّة الفيزيائيّة إلى الأصل الذي ابتدأت منه، حيث تُظهر العللُ الفاعلة قدرةَ الله، وتُبرِز العللُ الغائيّة حكمَتَه.
وعليه، فإنّ هاجس التوفيق بين العِلل الفاعلة والعِلل الغائيّة هو الأكثر وجاهةً حين يتعلّق الأمر بالظواهر البيولوجيّة. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، تُحيلنا فكرةُ الجسم بما هو آلة إلى بُعدَيْن مهمَّيْن في تكوين لايبنتز واهتماماته الفكريّة، فتكوينه العلمي بوصفه مهندسًا أكسبه قدرة على تتبُّع حيثيّات هذه الفكرة بصورة دقيقة، لكنّ الأمر يزداد وضوحًا حين نعود إلى الميتافيزيقا. يؤكِّد لايبنتز أهميّة هذه الفكرة من خلال تمييزه بين الآلة المصنوعة والآلة الطبيعيّة. وقوله في المونادولوجيا بيِّنٌ في هذا المجال. فقد رأى أنّ جسمَ الإنسان هو كائن حيٌ، وعبارة عن آلة إلهيّة وطبيعيّة تتجاوز كلّ الآلات الاصطناعيّة. الآلة التي يصنعها الإنسان بما هي فنّ مصنوع، هي ليست آلة في كلّ جزءٍ من أجزائها. فنحن لا نَعتبر مثلًا أنّ أجزاء أو عناصر سِنّ دولاب من النحاس شيء اصطناعيٌّ، وهو لا يتضمَّن شيئًا يدلّ على الآلة باعتبار الاستعمال الذي هُيّئ الدولاب من أجله، بينما آلات الطبيعة، أي الأجساد الحيّة، إنّما هي آلات في أبسط أجزائها، إلى ما لا نهاية. وفي ذلك يكمن الفَرق بين الطبيعة والفنّ، أي بين الفنّ الإلهي وفنّ الإنسان.
وعلى أيّ حال، فإنّ العقول السليمة تعترف بوجود نظامٍ ما في هذا الكون وفي العناصر المكوِّنة للطبيعة، وهو نظامٌ ينمُّ عن وجود حكمة صانعة وحكيم صانع. فالجسم إذًا آلةٌ تَخضع إلى قوانين الفيزياء، وهي تتميّز بالتناسق لتكون عالَمًا محيطًا بعوالِم أخرى لا متناهية. بل فوق ذلك جاز القول إنّ من طرافة الآلة الحيّة أنّها تكمن في تعبيرها عن غائيّة كليّة العالَم. وهذا ليس ما يخصّ كيانها الفردي فقط، بل في كلّ جزء من أجزائها. فحكمة الله هي مصدر النظام والتناغُم، وهو ما عناه سقراط في الفيدون.
يُقرِّر الفيزيائيّون تبعًا لوحدة الموجودات، أنّ احتمال التشكُّل العشوائي لمادّة الكون ضعيف جدًّا. ولقد توصّلوا بنتيجة بحوثٍ كثيرة إلى استنتاجِ أنّ: الكون المادّي، الفراغ، الزمن، الحياة، والكائنات العاقلة على الأرض والكواكب الأخرى كلّها من صنْع عقلٍ فائقٍ مُدبِّر. ما يعني بحسب توصّلات الفيزياء الحديثة أنّها مجتمعة على نظام حركة وحياة واحدة، وأنّ الكون مُبَرمَج قَبل نشوئه لكي تَظهر فيه موادٌّ حيّة، وكائناتٌ عاقلة. فالتقصّيات العمليّة والنظريّة الجديدة للعلماء تُعطي أساسيّات وضْع الرواية العلميّة التالية لخلْق العالَم. كذلك يؤكّد العلماء وجود نظريّة فيزيائيّة جديدة، وُضعت نتيجة لتطوُّر تصوّرات أ. آينشتاين، التي ظَهر فيها مستوى معيّن من الحقيقة وتمتلك كلّ علامات الألوهيّة، وهي النظريّة التي يُطلق عليها «العدم المطلق». والعدم المطلق الذي يقصدونه هو نفسه الشيء في ذاته الذي منه يبدأ كلّ شيء... وهذا «العدم» لا يكتفي بخلق المادّة وإنّما أيضًا وأساسًا يضع لها مخطّطاتٍ ومقاصد وغايات». وبحسب الفيزيائي - النظري الأمريكي المعروف إي. ميرتون، أنّ المطلق (كما العدم المطلق) باعتباره محيطًا لا محدودًا وأبديًّا للطاقة، هو الذي يُعطي الحياة لكلّ ما هو موجود. ثمّ يَذهب أبعد من ذلك ليقول إنّ هذا اللّامحدود الأبدي هو الذي منه تولد الأفكار ومنه يَغتذي العقلُ بطاقة الاستكشاف. وبقطع النظر عن ماهيّة هذا المطلق المُمتلئة بنعمة العقل، تبقى مطلقيّته محدودة بمبدئه، وبوصفه خلقًا أوّلا يحوي في ثناياه المخلوقات جميعًا.
* * *
لا دهشة إذن في ما ينطوي عليه العقلُ الصانع من امتداداتٍ هائلة في الكشف وسبْر غور المجهولات. هنالك، يكمن السرّ الذي منه سيَبلغ الذكاءُ الصناعيُّ مكانةً لا قِبَلَ له بها شرط البقاء تحت عناية العقل الأصيل ومواهبه اللّامتناهية.
*بحّاثة وأستاذ في الفلسفة - لبنان
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.

0 تعليق