العقل البشري والعقل الإلكتروني

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العقل البشري والعقل الإلكتروني, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 12:28 صباحاً

العقل البشري والعقل الإلكتروني

نشر بوساطة فؤاد زكريا في الوطن يوم 08 - 01 - 2026

1175677
هذا النوع الجديد من الآلات تخلص من ثنائية «الآلة-الإنسان» وجعل الآلة مكتفية بنفسها وأتاح لأول مرة في تاريخ البشرية استخدام الآلات استخداما ذهنيا أو عقليا
كان خيال الأدباء والفنانين يسبق كشوف العلماء على مدى عصور التاريخ. وليس في هذا ما يدعو إلى العجب، إذ إن الأديب أو الفنان لا يصور في عمله حلم يقظة فحسب. وإنما يعبر عن آمال بشرية عزيزة. ويلخص ما يتوق الإنسان في قرارة نفسه إلى تحقيقه. وحين تحدلت الأساطير والأعمال الأدبية والفنية عن تلك الأجنحة التي يعلق بها الإنسان كالطيور. أو عن البساط السحري الذي يتنقل به عبر الماء من بلد إلى آخر. كانت في واقع الأمر تضع الهدف أمام علماء المستقبل، وترسم لهم الطريق الذي كان الإنسان يتوقع منهم أن يسلكوه.
ولقد كان الإنسان منذ أقدم العصور يعلم بظهور آلات تعفيه من الجهد وتحل محله في المهام الشاقة، وحين كان يسرف في أحلامه كان يتخيل نوعا من الإنسان الاصطناعي يكون له عبدا مطيعا، لا مجرد آلة صماء.
وكان لهذا التصور مظاهر متعددة: فالقصص الشعبي كان يتحدث عن المارد أو العفريت الذي يظهر من القمقم. أو بعد لمس خاتم سليمان.. أو خائم الملك ليحقق للإنسان أصعب أمانيه وأبعدها مثالا. وهذا القصص متفائل، وتفاؤله أمر طبيعي لأنه خيال مبني على الاعتقاد بالسحر، وعالم السحر ليست فيه حقائق صلبة تقاوم الأماني والرغبات، ولا يقف في وجهه شيء. ومن هنا كان كل شيء فيه ممكنا. أما المظهر الآخر فهو أحدث عهدا. وفيه يرتكز الخيال على أساس من العلم والواقع الاجتماعي.
ولذا كان في معظم حالاته أميل إلى التشاؤم. فقد انبهر الإنسان بالآلة إلى حد أنه بدأ يتصور بخياله أنواعا منها تنقلب على الإنسان وتتمرد عليه، حتى تسيطر في النهاية على العالم وتقضي على عصر الإنسان. وأخذ الأدباء وبعض المفكرين يبدون فزعا حقيقيا من ذلك العصر المحتمل، الذي يسيطر فيه على العالم حديد جامد، وتختفي فيه سيطرة الإنسان عندما تقهره آلات ذات قوة جبارة، لتضيع القيم الإنسانية، ويختفى الحب والجمال، ويسود نظام رتيب صارم لا يعرف الرحمة ولا العطف.
ثم سار الخيال خطوة أخرى في هذا الاتجاه، ليصور هذه الآلة على هيئة إنسان يتدخل العلم في صنعه، ولكنه يضفي عليه قوة تفوق قوة البشر بكثير، فيتمرد هذا الإنسان العلمي أو الآلي على صانعه، ويهدم كل شيء ببطشه وجبروته.
وكانت لقصة «فرانكنشتين» التي أخرجت منها - منذ الثلاثينيات - أفلام سينمائية كثيرة، من أوضح أمثلة ذلك الفزع الذي يتملك البشر من تطور قدرات الإنسان وتقدمها إلى الحد الذي يجعلها تنافسه هو ذاته وتسحقه آخر الأمر.
ومنذ فترة ما بعد العرب العالمية الثانية أصبح هذا العلم حقيقة واقعة، وإن كان الواقع كما يحدث دائما قد اختلف عن الخيال الممهد له اختلافا غير قليل. وكان رائد هذا التطور الحاسم عالم نمساوي كبير هو م نوريرت فيتر Norbert Wicner، الذي وضع أسس علم جديد هو السيبرنطيفا Cybernclics وكانت الفكرة الأساسية في هذا العلم هي دراسة الوظائف التي يقوم بها الجهاز العصبي للإنسان، والتي تتيح له أن يعدل أفعاله ويعيد توجيهها وفقا للمواقف المختلفة. ويكون جهازا متكاملا يقوم بإصدار الأوامر لنفسه وتنفيذ هذه الأوامر واختبار نتائجها في الوقت ذاته. وعلى أساس هذه الدراسات يمكن تطبيق المبادئ المستخلصة منها على الآلات، فتكون نتيجة ذلك ظهور نوع جديد كل الجدة من الآلات.
ذلك لأن الآلات التي كانت تستخدم حتى ذلك الحين كانت في حاجة دائمة إلى إشراف الإنسان وتوجيهه.
فهي ظلت طوال هذا الوقت تمثل طرفا واحدا في علاقة ثنائية لا يمكن أن تفصم، هي «الآلة-الإنسان». أما الكشف الجديد فقد أنتج نوعا جديدا من الآلات، هي تلك التي تصحح مسارها بنفسها، وتعطي لنفسها ما يلزم من التعليمات والتوجيهات، وتتبادل مع نفسها الأوامر والتنفيذ، كما يحدث للإنسان حين يشعر بالعطش مثلا، فيأمر العقل العضلات بالتحرك نحو الماء، ويصحح مساره إذا لم يعد الماء في موضعه، ويعطي لنفسه الأمر بالاكتفاء إذا أحس بأن ظمأه قد ارتوى.
هذا النوع الجديد من الآلات. الذي يتميز عن كل الأنواع السابقة بأنه تخلص من ثنائية «الآلة-الإنسان» وجعل الآلة مكتفية بنفسها اكتفاء شبه تام في أداء عملها هو الذي أتاح لأول مرة في تاريخ البشرية استخدام الآلات استخداما ذهنيا أو عقليا، بعد أن كانت تقتصر على توفير الجهد البدني والعضلي للإنسان، فهي تقوم بدلا منه بكثير من العمليات التي لم يكن أحد يتصور أن من الممكن أداؤها إلا بواسطة العقل البشري وحده. وهكذا ظهرت العقول الإلكترونية، التي تعد انقلابا حاسما في تاريخ العلم والتكنولوجيا.
1977*
*أكاديمي مصري متخصص في الفلسفة «1927-2010»




إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق