الصحابى الجليل كشف عن عقلية اقتصادية مستقلة وقدم نموذجًا مبكرًا لرجل يبني الثروة ويعيد توجيهها لخدمة الاستقرار الاجتماعي
من أرض الهجرة أحداث لا تنضب، بإمكانك أن تراها بعيون مختلفة، تتفق في روحها وتختلف في معناها، فها هي عين ترى فيها تمكين للدعوة، ونصرة للدين، وعين ناقدة، وأخرى تفسر الأمور والأبعاد بعيدًا عن السياق، وجميع هذه العيون تنظر من بعيد.. لكن كي تقترب، عليك أن تقترب على وهن، فأنت لا تعرف أي عين تراك.
قد يكون الابتلاء رحمة، فمن رحم الألم يولد الأمل، وتأسيس هذه الدولة لم يكن ليتم، لولا أحداث وأيام صاغت رؤيتها، حتى اكتملت، وهذه أيام فارقة في عمر الدعوة، كانت لها أبعاد سياسية واستراتيجية واجتماعية، ولا يمكن بأي حال حصرها في جانب واحد.
في صفحات التاريخ الإسلامي حكايات اخترنا أن نعرج عليها، نحكي عن فتنة كادت تفتك بالجميع، وعن أيام اختبرت بقاء هذا الدين، ورجال أعمال التزموا بدورهم الاجتماعي فازدادوا ثراءً وقامت الدولة، وعن ربات الفصاحة والأدب، فلا يمكن أن نمر مرور الكرام، دون أن نبرز لقطات وأحداث وشخصيات شاركت في بناء هذه "الدولة".
"لقد رأيتُني لو رفعتُ حجرًا لوجدتُ تحته فضة وذهبًا».. عبارة تختصر مسارًا اقتصاديًا فريدًا في تاريخ صدر الإسلام، ولم يكن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه مجرد صحابي ثري، بل كان نموذجًا لرجل أعمال استطاع أن يؤسس ثروة ضخمة من الصفر تقريبًا، في بيئة ناشئة اقتصاديًا، ثم يوظفها في بناء مجتمع متماسك ماليًا واجتماعيًا.
وُلد في مكة بعد عام الفيل بعشر سنين، ونشأ في بيئة تجارية بطبيعتها، فمكة كانت مركزًا للتجارة الإقليمية. ومع إسلامه المبكر وهجرته إلى المدينة، فقد جزءًا كبيرًا من مركزه الاقتصادي السابق.
غير أن التحول الحقيقي في مسيرته المالية بدأ عند المؤاخاة بينه وبين سعد بن الربيع رضي الله عنه، الذي عرض عليه نصف ماله، لكن عبد الرحمن رفض الاعتماد على تحويلات مباشرة، واختار الدخول إلى السوق بقوله: «دلوني على السوق»، وهي جملة كشفت عقلية اقتصادية مستقلة؛ فهو فضّل إعادة بناء رأس المال عبر النشاط التجاري بدل الاعتماد على الهبات.
بدأ ابن عوف بالتجارة البسيطة: شراء وبيع وتحقيق هوامش ربح صغيرة، ثم إعادة تدوير الأرباح. ومع الوقت، توسعت معاملاته حتى أصبح من أكبر أثرياء المدينة، وبحسب بعض الروايات، فإنه كان إذا قلب حجرًا وجد تحته ذهبًا أو فضة، في إشارة إلى اتساع نشاطه وربحية استثماراته، وقد تميز بإدارة سيولة عالية، وقدرة على اقتناص الفرص في سوق سريع النمو نتيجة توسع الدولة الإسلامية.
لكن ما يميز تجربته الاقتصادية ليس فقط حجم الثروة، بل آلية توظيفها، فقد تصدق بشطر ماله في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بأربعين ألف دينار، وجهز خمسمائة فرس وخمسمائة راحلة في سبيل الله، وباع أرضًا بأربعين ألف دينار فوزعها على بني زهرة وأمهات المؤمنين وفقراء المسلمين، وروي أنه أعتق ثلاثين ألف بيت، كما كان له دور أشبه بدور “مؤسسة تمويل مجتمعي”؛ إذ كان يقرض ثلث أهل المدينة، ويقضي ديون ثلثهم، ويصل ثلثهم الآخر.
عند وفاته، أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأربعمائة دينار لكل من بقي من أهل بدر، وألف فرس للجهاد، بما يكشف حجم الكتلة المالية التي كان يديرها، كما تعكس تصورًا متقدمًا لوظيفة رأس المال: ليس مجرد تراكم، بل إعادة توزيع وضخ مستمر في الدورة الاقتصادية والاجتماعية.
ورغم هذا الثراء، ظل عبد الرحمن بن عوف يتعامل مع المال باعتباره أداة لا غاية، كان يخشى أن تكون وفرة الدنيا تعجيلًا لثوابه في الآخرة، وهو ما يعكس وعيًا أخلاقيًا حاكمًا لنشاطه الاقتصادي.
لقد جمع بين روح المبادرة الفردية، والكفاءة التجارية، والانضباط القيمي، فكان نموذجًا مبكرًا لرجل الأعمال الذي يبني الثروة، ثم يعيد توجيهها لخدمة الاستقرار الاجتماعي وتعزيز القوة الاقتصادية للمجتمع الناشئ.

0 تعليق