"ذوات الفصاحة" شاعرات في عهد الرسول ﷺ.. أمّ كلثوم العامريّة.. بكت أخاها فارس الليل شعرًا

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من أرض الهجرة أحداث لا تنضب، بإمكانك أن تراها بعيون مختلفة، تتفق في روحها وتختلف في معناها، فها هي عين ترى فيها تمكين للدعوة، ونصرة للدين، وعين ناقدة، وأخرى تفسر الأمور والأبعاد بعيدًا عن السياق، وجميع هذه العيون تنظر من بعيد.. لكن كي تقترب، عليك أن تقترب على وهن، فأنت لا تعرف أي عين تراك. 

 

قد يكون الابتلاء رحمة، فمن رحم الألم يولد الأمل، وتأسيس هذه الدولة لم يكن ليتم، لولا أحداث وأيام صاغت رؤيتها، حتى اكتملت، وهذه أيام فارقة في عمر الدعوة، كانت لها أبعاد سياسية واستراتيجية واجتماعية، ولا يمكن بأي حال حصرها في جانب واحد.

 

في صفحات التاريخ الإسلامي حكايات اخترنا أن نعرج عليها، نحكي عن فتنة كادت تفتك بالجميع، وعن أيام اختبرت بقاء هذا الدين، ورجال أعمال التزموا بدورهم الاجتماعي فازدادوا ثراءً وقامت الدولة، وعن ربات الفصاحة والأدب، فلا يمكن أن نمر مرور الكرام، دون أن نبرز لقطات وأحداث وشخصيات شاركت في بناء هذه "الدولة".

 

في فضاء الشعر العربي الذي كان يومًا ديوان العرب ولسان قبائلهم، برزت أسماء نسائية استطاعت أن تثبت حضورها رغم قسوة البيئة وتقلبات الزمن. ومن بينهن أمّ كلثوم بنت عبد ودّ العامريّة، الشاعرة التي اقترن اسمها بالرثاء، وبقصائد خلدت أخاها الفارس الذي عُرف بشجاعته حتى لُقِّب بـ"فارس الليل".

 

تنتمي أمّ كلثوم إلى قبيلة بني عامر، إحدى القبائل التي كان للشعر فيها مكانة كبرى، إذ ارتبط بالمجد والهوية والمكانة القبلية، ولم يكن شعرها مجرد تعبير عاطفي عن الفقد، بل كان أداءً لوظيفة اجتماعية وثقافية تحفظ ذكر الميت، وتخلّد بطولته، وتعيد ترميم كبرياء الجماعة بعد الخسارة.

 

وأفردت لها الأديبة زينب فواز ترجمة في كتابها "الدر المنثور في طبقات ربات الخدور" صفحة 63، ووصفتها بأنها "أحسن نساء زمانها جمالًا، وأوفرهن عقلًا وكمالًا، ذات أدب وفصاحة وكياسة وملاحة، ولها باع طويل في الشعر"، ويكشف هذا الوصف عن شخصية جمعت بين الجمال والبيان ورجاحة العقل، في زمن لم يكن يتيح للمرأة مساحة واسعة للظهور الأدبي.

 

ارتبط اسم أمّ كلثوم بحادثة مقتل أخيها عمرو بن عبد ودّ في غزوة الخندق (٥ هـ / ٦٢٧م)، حين خرج متحديًا المسلمين للمبارزة، فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ودار بينهما حوار قبل القتال، دعا فيه عليٌّ عمروًا إلى الإسلام أو إلى الانصراف، غير أن الأخير أبى، فالتقيا في نزال انتهى بمقتله، وكان لهذا الحدث أثر عميق في نفس أخته.

 

حين نُعي إليها أخوها وسألت عن قاتله، فقيل لها: علي بن أبي طالب، قالت عبارتها الشهيرة: "لم يأتِ يومه على يد كفء كريم"، ثم أنشدت:

أسدان في ضيق المكر تجاولا

وكلاهما كفؤ كريم باسل

فتخالسا سلب النفوس كلاهما

وسط المجال مجالد ومقاتل

وكلاهما حسر القناع حفيظه

لم يثنه عن ذاك شغل شاغل

فاذهب علي فما ظفرت بمثله

قول سديد ليس فيه تحامل

ثم تابعت رثاءها:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله

لكنت أبكي عليه آخر الأبد

لكن قاتله من لا يعاب به

من كان يدعى أبوه بيضة البلد

من هاشم في ذراها وهي صاعدة

إلى السماء تميت الناس بالحسد

قوم أبى الله إلا أن يكون لهم

مكارم الدين والدنيا بلا لدد

 

ويكشف شعرها عن قدرٍ لافت من الإنصاف؛ فلم يمنعها الحزن من الإقرار بفضل قاتل أخيها، وهو ما يعكس قوة شخصيتها واتساع أفقها العقلي، وقد بلغ شعرها النبي ﷺ، فعلم وفور عقلها وميلها إلى الإسلام، فدعاها إليه يوم فتح مكة، فاستجابت وبقيت على الإسلام حتى توفيت في حياته.

 

وعاشت أمّ كلثوم في مرحلة انتقالية كبرى شهدت تحوّلًا في القيم من الفروسية القبلية الخالصة إلى منظومة أخلاقية أوسع رسّخها الإسلام، وبينما ظل الرثاء وسيلة لتخليد البطولة، أخذ يحمل في طياته معاني أعمق تتصل بالإيمان والقدر والصبر، ومن ثمّ يمكن قراءة شعرها بوصفه وثيقة أدبية تعبّر عن لحظة التقاء ثقافتين: ثقافة المجد القبلي، وثقافة العقيدة الجديدة.

 

الحقيقة أنه لم يصل من شعرها إلا شذرات متناثرة في كتب الأدب والتراجم، غير أن حضورها يكشف عن مكانتها بين شاعرات صدر الإسلام، وهكذا تبقى أمّ كلثوم العامريّة صوتًا نسائيًا مبكرًا سجّل الفقد ببيان، وخلّد الفروسية بإنصاف، وجمع بين العاطفة والقيمة في لحظة تاريخية فاصلة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق