يوم الطائف.. رحمة النبي تصيغ المشهد

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

من أرض الهجرة

من أرض الهجرة أحداث لا تنضب، بإمكانك أن تراها بعيون مختلفة، تتفق في روحها وتختلف في معناها، فها هي عين ترى فيها تمكين للدعوة، ونصرة للدين، وعين ناقدة، وأخرى تفسر الأمور والأبعاد بعيدًا عن السياق، وجميع هذه العيون تنظر من بعيد.. لكن كي تقترب، عليك أن تقترب على وهن، فأنت لا تعرف أي عين تراك.

قد يكون الابتلاء رحمة، فمن رحم الألم يولد الأمل، وتأسيس هذه الدولة لم يكن ليتم، لولا أحداث وأيام صاغت رؤيتها، حتى اكتملت، وهذه أيام فارقة في عمر الدعوة، كانت لها أبعاد سياسية واستراتيجية واجتماعية، ولا يمكن بأي حال حصرها في جانب واحد.

في صفحات التاريخ الإسلامي حكايات اخترنا أن نعرج عليها، نحكي عن فتنة كادت تفتك بالجميع، وعن أيام اختبرت بقاء هذا الدين، ورجال أعمال التزموا بدورهم الاجتماعي فازدادوا ثراءً وقامت الدولة، وعن ربات الفصاحة والأدب، فلا يمكن أن نمر مرور الكرام، دون أن نبرز لقطات وأحداث وشخصيات شاركت في بناء هذه "الدولة".

حين اشتد الأذى في مكة بعد وفاة أبي طالب والسيدة خديجة رضي الله عنها، وجد النبي ﷺ نفسه بلا سند قبلي يحميه ولا دعمٍ نفسي يخفف عنه، فتضاعف عليه البلاء، ومع غياب من يقوم مقام أبي طالب في الدفاع والمناورة، اتجه ﷺ بعقلٍ واعٍ ويقينٍ ثابت إلى كسر الحصار المفروض عليه داخل مكة، والبحث عن أرضٍ جديدة تمنح الدعوة النصرة والمنعة.

 

لم يكن اختيار الطائف هروبًا من الواقع، بل قرارًا محسوبًا؛ فهي تمثل العمق الاستراتيجي لمكة، وبينها وبين قريش تاريخ من التنافس بسبب محاولات قريش السيطرة على مواردها، ومن شواهده الاستيلاء على وادي "وج" الغني بمزارعه، وهو الوادي الذي اعتبره الشافعي من البلد الحرام بينما خالفه الجمهور، كما أن الطائف سبق أن وقفت في مواقف معارضة لقريش، حتى أرسلت أبا رغال دليلًا لأبرهة في عام الفيل، ما جعلها ساحة محتملة لمعادلة جديدة في ميزان القوى.

 

إلى جانب البعد السياسي، كان للرحلة حساب اقتصادي واضح؛ فكبار مشركي مكة، خاصة بني مخزوم وبني عبد شمس، كانوا يملكون الضياع والبساتين في الطائف، ولو استجابت لدعوة النبي ﷺ لأصبحت ورقة ضغط قوية على قريش، كما أن قربها الجغرافي من مكة جعلها الخيار الأقرب منطقًا في ترتيب الأولويات الدعوية، وهكذا خرج ﷺ إلى الطائف ماشيًا أكثر من ستين كيلومترًا، بصحبة زيد بن حارثة رضي الله عنه، في رحلة جمعت بين رجاء النصرة وتحمل المشقة في سبيل تبليغ رسالة التوحيد.

 

عند وصوله إلى الطائف، اصطدم النبي ﷺ بواقع سياسي معقد للغاية، حيث كانت السلطة منقسمة بين حزبين متصارعين: "بني مالك" حلفاء هوازن، و"الأحلاف" المرتبطين بقريش. ورغم الكراهية الشديدة التي يكنها بنو مالك لكل ما هو قرشي، إلا أن النبي ﷺ قرر ببعد نظره التوجه إلى قيادة "الأحلاف"؛ وذلك لأن عداء بني مالك الأعمى لقريش كان سيحول دون سماعهم للحق، فربما رفضوا دعوته لا لأنها باطلة، بل لمجرد أن صاحبها من قريش. وقد سجل المؤرخ ابن إسحاق هذا المشهد بقوله: "فلما هلك أبو طالب، فخرج إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى، فخرج إليهم وحده".

 

توجه النبي ﷺ مباشرة إلى ثلاثة إخوة هم سادة ثقيف: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير. جلس إليهم ودعاهم إلى الله بكل لين ووضوح، طالباً منهم النصرة والقيام معه ضد من خالفه من قومه. لكن الرد جاء صاعقاً وممعناً في السخرية واللؤم؛ فقد قال أحدهم باستهزاء: "هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك"، وقال الثاني مستنكراً: "أما وجد الله أحداً أرسله غيرك؟"، بينما أغلق الثالث باب الحوار تماماً بقوله: "والله لا أكلمك أبداً لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك". وهنا استيقن النبي ﷺ أن لا خير يرتجى منهم، فطلب منهم كتمان خبر مجيئه حتى لا تشمت به قريش، لكنهم غدروا به وأغروْا به سفهاءهم وعبيدهم، فاجتمع الناس عليه يسبونه ويصيحون به في مشهد تدمى له القلوب.

 

لم يتوقف الأذى عند السب، بل كما روى موسى بن عقبة، اصطف أهل الطائف سماطين (صفين) على طريقه، وجعلوا يرجمونه بالحجارة في عرقوبيه حتى خضبت الدماء نعليه الشريفتين، وزيد بن حارثة يحاول حمايته برأسه حتى جُرح هو الآخر. اضطر النبي ﷺ للجوء إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهما ينظران إليه ويشهدان ما حل به من ذل وهوان على يد السفهاء. وفي ظل حبلة من عنب، رفع النبي ﷺ بصره إلى السماء بقلب منكسر وجسد مجروح، ليبث شكواه إلى خالقه في دعاء يقشعر له الوجدان: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ، أَوْ يَحُلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ"، وهو دعاء جمع بين قمة الرضا والتسليم لله عز وجل في أحلك الظروف.

 

إن فظاعة ما حدث في الطائف جعلت النبي ﷺ يعتبر هذا اليوم هو الأشد في حياته الدعوية قاطبة، حتى أنه فاق في ألمه النفسي ما جرى يوم أحد. وقد وثق البخاري ومسلم حواره مع السيدة عائشة حين سألته عن أشد أيام حياته، فذكر لها "يوم العقبة" حين عرض نفسه على ابن عبد ياليل فلم يجبه، وانطلق هائماً على وجهه من شدة الهم فلم يستفق إلا وهو بـ "قرن الثعالب". 

 

وهناك، أرسل الله جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال ليضع بين يدي النبي ﷺ خيار الانتقام المطلق: "إن شئت نطبق عليهم الأخشبين"، ولكن، هنا تجلت عظمة النبوة ورحمة الرسالة؛ فلم يغلب عليه الغضب الشخصي، بل أجاب ملك الجبال بروح نبوية سامية: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً".

 

لقد كانت حادثة الطائف فريدة في حجم المعاناة؛ لأنها جمعت بين الأذى البدني المبرح والألم النفسي العميق الناتج عن استهزاء السادة وغدر الحلفاء. كما أنها وقعت في توقيت حرج بعد سنوات الحصار وعام الحزن، مما جعل خيبة الأمل فيها مضاعفة، ومع ذلك، خرجت الرحمة من رحم هذه المحنة؛ فبينما يبيح الشرع مقابلة الإساءة بمثلها كما في قوله تعالى: (وَلَئِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)، آثر النبي ﷺ الصبر والعفو تماشياً مع كونه رحمة للعالمين كما وصفه ربه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).

 

ولم يكن موقف النبي ﷺ في الطائف مجرد صمود سياسي، بل كان برهاناً ساطعاً على أخلاقه الرفيعة ويقينه الراسخ، حيث آثر بناء المستقبل على الانتقام من الماضي، ليظل هذا الموقف أعظم مكاسب الدعوة التي علمت البشرية كيف يقابل المصلحون الجهل بالعلم، والقسوة بالرحمة، والظلم بالاحتساب.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق