الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة لـ «الأنباء»: سقوط مادورو قد يكون عودة محتملة لقوة كامنة في قطاع الطاقة العالمي

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بيروت - اتحاد درويش

خرجت أسواق السلع العالمية من عام مليء بالتغيرات الهيكلية الجذرية والتي تعد أقرب إلى أزمة متعددة الأطراف ناتجة عن الصراعات الجيوسياسية أكثر منها إلى دورات العرض والطلب. ولا شك في أن الإطاحة المفاجئة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو غيرت قواعد عمل أسواق الطاقة، وضخت آفاقا غير متوقعة لانخفاض التضخم، في ظل مستوى غير مسبوق من السياسات الحمائية.

وشهدت أسعار السلع في العام 2025 مزيجا من الارتفاع والانخفاض. فقد بدأ العام بانخفاض حاد في مؤشر السلع الإجمالي بنسبة 12%، والذي كان سببه الرئيسي تباطؤ الاقتصاد العالمي وتوقعات وفرة النفط. إلا أن هذا الانخفاض تعرض لانقطاعات متكررة نتيجة لتقلبات جيوسياسية مفاجئة.

وقال أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية البروفيسور جاسم عجاقة لـ «الأنباء»: «2025 كان عاما من التقلبات والتجارة المسيسة، والحدث الأبرز فيه هو التغيير الجذري في السياسة التجارية الأميركية. فمنذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أبريل 2025 «يوم التحرير»، فرضت الإدارة الأميركية حدا أدنى للتعريفة الجمركية بنسبة 10% على معظم الواردات الأميركية، مع تعريفات محددة بنسبة 50% تستهدف المعادن الصناعية الرئيسية كالنحاس. وبحلول يوليو، بلغ متوسط معدل التعريفة الأميركية الفعلي 18.2%، وهذا أعلى مستوى له منذ ثلاثينيات القرن العشرين».

وأضاف عجاقة: «حين كانت أسعار المعادن الصناعية تثقل كاهل سوق العقارات الصينية المتباطئة، حققت السلع الزراعية عائدات هائلة مع ارتفاع أسعار البن والسكر بنسبة 70% و30% على التوالي، نتيجة الظروف المناخية القاسية (ظاهرة النينيو المتقلبة) والتي ألحقت أضرارا بالغة بالمحاصيل في البرازيل وفيتنام. كما بقيت البنوك المركزية في حالة تأهب قصوى على رغم استقرار أسعار النفط الخام نسبيا بين 70 و85 دولارا للبرميل في معظم فترات 2025».

وردا على سؤل عن تأثير هذه التغييرات على أهم اقتصادات العالم قال عجاقة: «تفاوتت التداعيات بحسب البلدان. ففي الولايات المتحدة الأميركية، أدت سياسة «الحفر» إلى أزمة، إذ مع ازدياد عدد تراخيص إنتاج الأراضي الفيدرالية، ركز المنتجون من القطاع الخاص على الربحية أكثر منه على الكمية. وقد ساهمت السياسة الجمركية التي اتبعتها الإدارة الأميركية في ضغوط تضخمية داخل الولايات المتحدة الأميركية. إلا أن نهاية العام كرست لإنشاء سلاسل إمداد المعادن الحيوية من خلال توطين الإنتاج».

أما في أوروبا، فرأى عجاقة «أن منطقة اليورو تسير على حافة الهاوية فيما يتعلق بأمن الطاقة. وعلى رغم انخفاض أسعار الغاز الطبيعي في أواخر العام 2025 نتيجة زيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال من أميركا الشمالية، إلا أن قطاع التصنيع في الاتحاد الأوروبي كان ضعيفا. ولابد من الإشارة إلى أن الرسوم الجمركية الأميركية دفعت التجارة الصينية إلى التركيز على السوق الأوروبي، ما ساهم في خفض أسعار بعض السلع الاستهلاكية في أوروبا».

وعلى صعيد الصين، قال عجاقة: «إن عام 2025 كان عاما حاسما مع تراجع أسعار خام الحديد والصلب في شكل حاد نتيجة ضعف الطلب الصناعي. واستمر تراجع قطاع البناء حيث انخفضت عمليات بدء بناء المساكن إلى مستويات عام 2006. وردا على الرسوم الجمركية الأميركية، أخذت الصين بتغيير وجهة صادراتها بقوة إلى دول الجنوب العالمي وأوروبا».

خليجيا، أكد عجاقة «أن سياسة الترقب والانتظار التي اتبعتها منظمة «الأوپيك بلاس» طوال العام 2025، ساعدت دول المنظمة وعلى رأسها الدول الخليجية في تخطي هذه التقلبات، نظرا إلى ميزتها كمنتج مؤثر عالميا وعامل استقرار، في حين واجهت الصادرات الروسية انخفاضا تدريجيا بسبب تآكل البنية التحتية واستمرار العقوبات».

ورأى عجاقة «إن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع 2026، احتل المشهد السياسي والإعلامي والاقتصادي. واعتقال القوات الأميركية لمادورو أدى إلى تغيير جذري في توقعات 2026. وعلى رغم أن إنتاج فنزويلا الحالي لا يتجاوز مليون برميل يوميا، إلا أن عودتها إلى الساحة العالمية تعد نقلة نوعية. وقد كانت ردة فعل الأسواق سريعة مع انخفاض في أسعار النفط، إذ انخفضت العقود الآجلة لخام برنت إلى 60 دولارا للبرميل، تحسبا لزيادة المعروض مستقبلا».

وبحسب عجاقة، «من المتوقع أن يشهد العام 2026 تعديلا في المعروض مع رفع الولايات المتحدة الأميركية لحصارها النفطي عن فنزويلا، ما سيؤدي إلى وصول النفط الخام الفنزويلي الثقيل إلى مصافي ساحل الخليج الأميركي. وسيساهم ذلك في تقليص الفارق السعري بين النفط الثقيل والخفيف، وربما خفض تكلفة الديزل ووقود الطائرات عالميا».

وأضاف: «تقول تقديرات أصدرها خبراء في وود ماكنزي وغولدمان ساكس، أن التعافي سيتطلب رفع الإنتاج الفنزويلي إلى 2.5 مليوني برميل يوميا كاستثمار يتراوح بين 15 و20 مليار دولار، وسيستغرق 10 سنوات على الأقل».

وتابع عجاقة: «من تداعيات هذا الأمر انخفاض التضخم على نطاق واسع في العالم، إذ تشير التوقعات إلى انخفاض كبير في أسعار السلع الأساسية نتيجة وقف التضخم الضمني الناتج عن أسعار الطاقة في العالم».

وختم: «في المحصلة إن سقوط نظام مادورو ليس مجرد حدث سياسي محلي، بل قد يكون عودة محتملة لقوة كامنة في قطاع الطاقة العالمي، مع الانتقال من حالة تشتت دفاعي إلى حالة إعادة اندماج حذرة».

أخبار ذات صلة

0 تعليق