الحجاز في الآثار الكتابية

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحجاز في الآثار الكتابية, اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026 03:29 صباحاً

تفيد نصوص أهل الكتاب في العهد القديم والأدب اليهودي اللاحق أن خروج بني إسرائيل من فلسطين كان منفى إلهيا طويل الأمد لا يرتبط ببقعة جغرافية واحدة بل يمتد إلى أطراف العالم المعروف قديما. التلمود يقرر بصورة واضحة أن هذا النفي كان بسبب الذنوب وأن اليهود عاشوا في المنفى بين الأمم انتظارا لحدث إلهي عظيم في آخر الزمان دون تحديد دقيق لمكان وقوعه. هذا الإطار العام يعترف بالعيش بين الشعوب غير الإسرائيلية، ويقر بوجود اليهود في مناطق بعيدة جنوبا وشرقا ومنها الجزيرة العربية التي لم تكن غائبة عن الوعي الديني اليهودي.

وتكشف نصوص العهد القديم عن حضور واضح لأرض العرب في النبوءات الإبراهيمية. فاسم قيدار يرد مرارا بوصفه أحد أبناء إسماعيل ويقترن ذكره بالديار الصحراوية جنوب فلسطين. يقول سفر إشعياء إن ديار قيدار ستفرح وإن أهلها سيرفعون أصواتهم بالتسبيح ويعلنون مجد الرب من أطراف الأرض، وهي عبارة ذات دلالة قوية في سياق النبوءات لأنها تربط بين قيدار والعبادة العلنية لله وظهور نور ديني جديد خارج أرض بني إسرائيل. هذا النص ظل حاضرا في التفسير اليهودي بوصفه متعلقا بزمان مستقبلي غير محدد.

أما ذكر فاران فيأتي في سفر التثنية ضمن مقطع نبوئي شديد الأهمية، حيث يرد أن الرب جاء من سيناء وأشرق من سعير وتلألأ من جبل فاران. التفسير اليهودي التقليدي يربط سيناء بموسى وسعير بأرض أدوم المرتبطة بعيسى عليه السلام في القراءة الإسلامية اللاحقة، بينما تبقى فاران موضعا إشكاليا في الجغرافيا اليهودية. غير أن كتب العهد القديم نفسها تربط فاران بإسماعيل، إذ تذكر أن إسماعيل سكن برية فاران وأن أمه هاجر أقامت له فيها. هذا الربط النصي بين إسماعيل وفاران يجعل من الحجاز ومكة تحديدا موضعا منسجما مع الوصف التوراتي أكثر من أي موضع آخر.

وتأتي نبوءة أخرى في سفر حبقوق تتحدث عن مجيء الله من تيمان وقدوسه من جبل فاران، وأن الأرض امتلأت من تسبيحه وأن النور عم الآفاق. هذه اللغة النبوئية ذات الطابع الكوني تتجاوز الإطار المحلي لبني إسرائيل، وتشير إلى رسالة عالمية تنطلق من الجنوب. وقد لاحظ باحثون من أهل الكتاب أنفسهم أن هذه النصوص لا تنسجم مع حدث تاريخي يهودي داخلي بل تشير إلى ظهور دعوة جديدة ذات أثر واسع.

التلمود، الوحي الشفهي، من جانبه لا ينفي هذه النبوءات لكنه يتعامل معها بحذر شديد، إذ يركز على أن الخلاص النهائي مرتبط بالمشيح الداودي وبعودة الملك لبني إسرائيل. النص التلمودي يشدد على أن النبي لا يأتي بتشريع جديد بعد موسى، وهو الأساس اللاهوتي الذي استند إليه اليهود في رفض أي نبوة لاحقة. غير أن هذا النص يتحدث عن التشريع داخل الشريعة الموسوية ولا يذكر صراحة استحالة بعثة نبي أممي يدعو إلى التوحيد ويعيد الناس إلى عبادة الله الواحد. ومن هنا يظهر أن التلمود سكت عن تحديد مكان الحدث النبوي وعن قومية من يقع على يديه تاركا الباب مفتوحا للتأويل.

عند مجيء الإسلام قدم القرآن قراءة متكاملة لهذه النبوءات القديمة، فأكد أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم هو النبي الأمي الذي يجد أهل الكتاب صفته مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل، وأنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. القرآن يربط بعثته بدعاء إبراهيم حين أسكن ذريته بواد غير ذي زرع في الحجاز، وسأل الله أن يبعث فيهم رسولا منهم. هذا الربط يعيد النبوءات التوراتية المتعلقة بقيدار وفاران إلى سياقها الإبراهيمي الأصلي بوصفها نبوءات إسماعيلية لا إسرائيلية خالصة.

وقد نقلت المصادر الإسلامية شهادات مباشرة من علماء يهود عاصروا البعثة وأقروا بمعرفتهم السابقة بالنبي المنتظر وبأرض هجرته. هذه الشهادات تعزز فكرة أن النبوءة لم تكن غامضة في أصلها بل كان الخلاف حول تفسيرها وحدود قبولها العقدي. وعندما جاء النبي من نسل إسماعيل وفي أرض الحجاز انقسم أهل الكتاب بين من آمن ومن كفر لا لغياب العلامة بل لاصطدام الحدث الجديد بالبنية اللاهوتية القومية التي تشكلت لاحقا.

أما المستشرقون اليهود فقد تعاملوا مع هذه المعطيات بمنهج تاريخي مادي، فاعترفوا بقدم الوجود اليهودي في الحجاز وبنفوذهم الاقتصادي والسياسي، لكنهم أنكروا أي بعد نبوي لاستقرارهم هناك وفسروا النبوءات التوراتية تفسيرا رمزيا أو تاريخيا محدودا داخل الإطار الإسرائيلي. استندوا إلى الصمت التلمودي في تحديد مكان النبوة وحولوه إلى نفي قاطع لأي بعثة في أرض العرب. غير أن هذا الموقف يتجاوز النصوص ذاتها ويعكس تطورا لاهوتيا متأخرا أكثر مما يعكس دلالة النص العبري الأصلي.

وعند جمع هذه الشهادات من نصوص أهل الكتاب مع موقف التلمود وقراءة المستشرقين، يتضح أن النبوءة ببعثة نبي في أرض قيدار وجبال فاران كانت حاضرة في النصوص القديمة، وإن لم تفسر صراحة في التراث اليهودي اللاحق تفسيرا إسماعيليا. الإسلام جاء فقدم هذا التفسير وربط بين النبوءة والجغرافيا والنسل الإبراهيمي ربطا منسجما مع النصوص ذاتها. وبهذا يظهر أن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم في الحجاز لم تكن حدثا معزولا عن التراث الكتابي السابق بل كانت تتويجا لمسار نبوي طويل ظل حضوره قائما في النصوص وإن اختلفت القراءات والتأويلات حوله عبر العصور.

MBNwaiser@

أخبار ذات صلة

0 تعليق